• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الثلاثاء 2023-09-05

دراسة تأثير الفن التشكيلي على العقل الإنساني وكيفية استفادة الفنان من تلك الدراسات

(المقال الثالث)

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 617
  • التعليقات 0
  • Twitter
دراسة تأثير الفن التشكيلي على العقل الإنساني وكيفية استفادة الفنان من تلك الدراسات
  1. icon

    بقلم / د. نورالدين نوري

  2. icon

    جميع مقالات الكاتب

  3. icon

    علمي

منذ أوائل القرن التاسع عشر تقريبًا، وربما قبل ذلك، شهد العالم تراجع الميتافيزيقيا عن مقام إنتاج المعنى مقابل تصدر نظريات علمية وفلسفية أخرى. مثل نظرية التطور لعالم الطبيعة البريطاني تشارلز داروين (1809م – 1882م)، كما ظهر أثر أفكار آدم سميث (1723م – 1790م) أبو الاقتصاد الحديث حول السوق الحر، هذا غير ظهور الدول القومية بمفهومها الحديث، أضف لذلك، الحروب العالمية والقنابل الذرية وملايين الأبرياء الذين ماتوا هونًا بلا ذنب.

كل هذا ساهم في تفكيك الإنسان بمعتقداته وأسلوب حياته التقليدي ليدخل في سوفسطائيات لا تنتهي من العدمية واللا معنى. لقد بدا العالم وكأنه يهرول نحو الهاوية. فتعدد النظريات والفلسفات والأيديولوجيات لم يكن على ما يبدو دليل ثراء بقدر ما كان دليل تفسُّخ. وهربًا مِن هذا التفسُّخ أو تماشيًا، عَكس الفن الحديث في عدد مِن لوحاته قلق الإنسان الوجودي وعجزه وهشاشته النفسيّة.

في الحقيقة، يمكن اعتبار توجه العديد من الرسّامين في القرن العشرين لتمثيل قلق الإنسان الحديث على أنه محاولة فتح نافذة على المقدس والميتافيزيقي. بل إن حتى ظهور مذهب فني بأسره يُعبر عن هذا القلق جعل المُقدس والميتافيزيقي من أبعاد الفنّ الأساسيّة.

تلك النافذة الفنيّة، كانت نتيجة حاجة ماسة لمعنى يواجه أزمة المعنى، فخلقت مساحة رحبة للمطلق والميتافيزيقي ليس بوصفها رموزًا دينية، بل إرهاصات فنية مُعادلة في القوة ومُضادة في الاتجاه لعصر التنوير برمته. فظهور مذاهب جديدة، مثل التعبيرية والتكعيبية والسريالية وغيرها، كانت بمثابة "نزعة صوفية" في الفنّ ونافذة على كل ما هو روحانيّ ومتجاوز.

فعرّفت اللوحة الفنية على أنها حالة نفسية مكتظة بالتفاصيل المتداخلة، حكاياتها الألوان وواقعها مشاعر تكاد لا تكتمل إلا بصرخة تلك الألوان، تجذبك نحوها بعمق لا يخلو من الحيرة ومن ثم التفكر. يرى البعض على أنها بحاجة إلى قراءة تفسر ماهيتها وحقيقة وجودها، في المقابل هناك من يرى أنها وجدت لتكون نافذة مشرّعة التفاصيل وعلى المتابع لها أن يقول ما يشاء عن ذاتها. حول تلك الأفكار نقترب من ذوي الشأن والعلاقة، سواء كانوا تشكيليين، أو متابعين حيثياتها

أن إدراك المغزى والمقصود في اللوحة هو عملية تعتمد بشكل أساسي على الإدراك الجمالي والعمق الفني للمتلقي وللفنان أيضًا، وهي مسألة مرتبطة بالثقافة، ولذلك نجد أن القدرة على الإدراك الفني لماهية اللوحة تتفاوت من شخص لآخر ومن مجتمع إلى آخر، وقد يكون من الصواب أن نقول أنها ترتبط إلى حد ما بالخلفية الثقافية للمتلقي أيضًا.

يقول الفنان الإسباني بيكاسو حين سُئل عن قدرة المتلقي من تفسير لوحاته، فبادر بطرح سؤال استنكاري: كيف يمكن أن تتوقع متفرجًا يعيش صورتي مثلما عشتها؟ ثم يُجيب على تساؤله بقوله: إن الصورة تأتي إلي من أميال بعيدة فمن ذا الذي يستطيع أن يقول من أي بُعد أحسست بها، ثم رأيتها، وتصورتها، ومع ذلك فإني في اليوم التالي لا أستطيع أن أتبين ما قمت أنا نفسي بعمله، وكيف يستطيع أي إنسان أن يتوغل في أحلامي، في غرائزي، في رغباتي، في أفكاري، التي أخذت مدة طويلة لتنضج وتخرج في ضوء النهار، وفوق ذلك كيف يستطيع أي شخص أن يخرج منها بما كنت أفكر فيه ربما ضد مشيئتي الذاتية.

وهنا نعود إلى أصل الهدف من كتابة تلك المجموعة من المقالات والتي تهدف إلى معرفة الأدوات التي يستخدمها الفنان التشكيلي في إخراج عمله الفني، وكيف يمكنه أن يضع خياله وإحساسه الشخصي في لوحته، يتلقاها المتلقي ويغوص في الأفكار والآراء والتحليلات في تلك اللوحة.

ولنا مثال هام في هذا المقال لوحة للفنانة التشكيلية سعدية جميل:

في هذه اللوحة أخذت الفنانة التشكيلية سعدية جميل بعبقرية شديدة بعدا روحيًا عن الحياة في دراما نفسية داخلية فلقد عبرت عن الحياة بعين متداخلة متناغمة تحمل الغموض والقلق والغدر والأمان والوضوح بكل التناقضات التي نعيشها وكأنها تقول لنا الفنانة أنها تسبح في أعماق روحها تبحث على الطمأنينة والراحة والحب والسلام الداخلي فهذه اللوحة تعانق فيها الماضي بالحاضر وكأنها تبين الحقيقة ما بين دوامات الحياة وتتمنى الوصول إلى بر الامان. وفي اللوحة من الدلالات من خلال التغييرات اللونية والخطوط ما يبعث على الحزن الشديد والقلق.

وبمصداقية الفنان في ريشته وضحت من درجات الألوان والتكوين العام والكتل اللونية والخطوط والدوائر التي أعطت للوحة عمقًا مع اختلاف أحجام وأشكال الشخوص التي تعطي عمقًا أكبر من كونها ذكرًا أو انثى، فتجعل المتلقي يفكر من هؤلاء وماذا تقصد الفنانة، وعلى كل متلقي أن يصنع القصة من خياله، وبالتالي فتحت الفنانة الباب للاستنتاجات اللا متناهية بإحساس وحرفية رائعة. استطاعت الفنانة سعدية جميل بمهارة فنان وحس إنساني راق أن تجسد الخوف، الحزن، الألم والعمق العاطفي في هذه اللوحة.

وهنا تشير لنا الفنانة التشكيلية سعدية جميل إلى معنى عميق في ما يشعر به الفنانون دون غيرهم عند تجلياتهم الفنية، فهذه اللوحة توضح كيف تأتي الأفكار للفنان ومدى صعوبة أن يتبين المتلقي معانيها وفق قصد الفنان ورؤيته، إلا أننا لا يمكن في ذات الوقت أن نحرم فئة المتذوقين من تفسير الأعمال، والفنان عندما يسمح لعمله بالظهور فهو بذلك قد فسح المجال لتأويل أعماله وفق ما يراه ويستشعر المتلقي وفق خبرته وثقافته.

كما أنني دائمًا لا أؤيد كتابة شرح لأي عمل يعرض، لأن الإنسان بشكل عام يتأثر تأثيرًا مباشرًا في فهمه للعمل بالطريقة التي شرح وفسر بها، وبهذا سيكون تذوقه للعمل مبني لنظرة الفنان والتي من المستحيل أن يوفيها حقها كتابيًا، بالتالي سيؤدي البيان في الواقع إلى انتقاص من قيمة العمل الفني الذي ليس بحاجه إلى توضيح أو كونه غامضًا في فكرته وهنا سيكون توجيهه للمشاهد توجيهًا مفرطًا مما يجعله أكثر عرضة لعدم فهم العمل لأنه يجتهد باحثًا عن كل كلمة ذكرها الفنان عن عمله، بالإضافة إلى أنه سيعطي عمله معنى جديدًا بعيدًا عن فكرته الأصلية، فالعمل التشكيلي وليد اللحظة والفكرة والشعور. ومن ناحية أخرى فإن الفنانة التشكيلية سعدية جميل بعملها هذا تؤيد وتؤكد على فكرة ان الفنان مهما كانت جنسيته أو ثقافته وبيئته يستطيع الخروج بعمله الفني إلى الآفاق العالمية.

"اللوحة الجيدة هي مثل الطبخة الجيدة، يمكن أن تتذوقها، ولكن لا يمكنك شرحها". - موريس دي فليمانك

أضف تعليقك...

 
  • 2737 زيارات اليوم

  • 47459861 إجمالي المشاهدات

  • 2996126 إجمالي الزوار