• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأربعاء 2023-09-13

العزلة بين إجبارٍ واختيار

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 547
  • التعليقات 2
  • Twitter
العزلة بين إجبارٍ واختيار
  1. icon

    بقلم / زينب بنت محمد أنطاكي

  2. icon

    جميع مقالات الكاتب

  3. icon

    اجتماعي

الحياة وإن تعاظم كربها، وزادت أوجاعها لم تكن يومًا ساحة حربٍ أو معركة، بل كانت ساحة للتعايش، وأرضٌ نصول فيها ونجول لحياة ملؤها الدفء، والاطمئنان، والأمان.

وسرعان ما تغيرت المفاهيم وصارت الحياة عبارة عن ساحة حربٍ، وسجال بين طرفين أحدهما مهزوم لا محالة، فمهما حاولنا أن ندفن رؤوسنا عن تلك المعارك خضناها مرغمين دونما بطولة.

نواجه في الحياة الكثير من الضغوطات اليومية، وأكثرها نابعٌ من البشر المحيطين بواقعنا الذي نعيشه، كلًا حسب ترتيب مكانته في حياتنا، قد يكون حبيًبًا، أو صديقًا، أو عزيزًا، أو زميلًا، أو عابرًا ليعطينا درسًا ثم يرحل، وما دامت الحياة مستمرة وما زالت قلوبنا نابضة فسيمر خلالنا الكثيرون ممن تختلف أنماطهم وطباعهم، ونفسياتهم، وأفكارهم، ونحن كبشر ليس بوسعنا أن ندرس كل تلك الأنماط كي نستطيع أن نتعامل مع الأغلبية بذات الهدوء، وذات الرقي، وذات الطمأنينة.

يخيل إلينا أحيانًا أنه بمقدورنا أن نعيش مع الآخرين بعفوية تامة دونما تصنع، ولكن ذلك مستحيل جدًا، فبطريقة أو بأخرى نلبس أقنعة بين الفينة والأخرى حتى نصبح أكثر ثباتًا وروية، فنحن نحاول جاهدين أن نبقى هادئين أمام الأشخاص الذين يمتحنون صبرنا بكل الطرق والوسائل، ونحاول أن نكون أكثر لباقة مع الأشخاص الذين يمتحنون أخلاقنا وقيمنا فيخرجوننا من صمتنا لحديثٍ لا ناقة لنا فيه ولا جمل، ونحاول أن نتجمل بالأدب أمام فاقدين الأدب، ونلبس لباس الحياء أمام وجوه فقدت جمال الأخلاق، ونتمسك بالصمت عندما نفقد عبارات اللباقة في الرد على كثير من الكلام المنغمس في الرذيلة، ونعترف وقتها أن الصمت حكمة.

ومن هنا جاءت فكرة "اعتزل ما يؤذيك"، اعتزل الأماكن التي لا ترى أنها تليق بشخصك، واعتزل الأشخاص الذين لا يليقون بك، واعتزل الأفكار التي لا تليق بذائقتك وشخصيتك، واعتزل النفوس التي لا ترتقي لروحك ونقاءك، فالعزلة اختيار واجبارٌ في ذات الوقت.

حين نختار العزلة عن الآخرين فذلك يعني أننا نعتزل حياتهم لنحيا حياتنا براحة البال، وبطمأنينة، وحين نجبر على اعتزالهم فهذا يعني أننا وصلنا لأقصى مراحل الاستغناء، وذلك لعدة أسباب من الخيبة والخذلان أدت إلى رحيل أرواحنا لأبعد نقطة لتنزوي خلف ستائر الانعزال، نلتمس لأنفسنا الأمان والسعادة والراحة.

يقول ماثيو بوكر أستاذ العلوم السياسية في العزلة: "إنها عملية داخلية أكثر عمقًا"، نعم أكثر عمقًا لأننا في العزلة نكتشف ذواتنا، ونعيد حساباتنا، ونتعرف على مكنوناتنا، ونرمم دواخلنا، فالقدرة على أن نكون بوحدة مع أنفسنا أصعب بكثير من الانغماس في المجتمع، المجتمع الذي أصبح مزيفًا أكثر من اللازم، فأن تجاري هذا الزيف أسهل بكثير من أن تحاربه لتصنع ذاتك وترتقي بنفسك.

ولا تكون العزلة مجدية إذا وصلت لحد الانطواء ولكنها مجدية إذا كانت مدروسة ويتخللها العلاقات الإيجابية المحدودة في إطار مفعم بالحب والاحترام.

فالعزلة حياة أخرى لا يعرف فنونها إلا من جربها، ولعل فترة جائحة كورونا كان لها أكبر الأثر في التدريب على العزلة والالتفاف حول العائلة، والاكتفاء بممارسة الهوايات البسيطة بعيدًا عن التكلف والتصنع، والاهتمام بتطوير الذات وترويضها، ومحاولة مساعدة الآخرين وتقديم يد العون للمحتاجين، كل ذلك بفضل العزلة التي أرغمتنا عليها فترة الجائحة.

العزلة رداء يشبه تمامًا التأمل الذاتي الفردي، نتأمل فيه أخطاءنا ونفهم الدرس جيدًا، ونتأمل نقاط الضعف فينا ونسعى لتطوير ذواتنا ونقوي ذلك الضعف ونربي أنفسنا لننهض أقوى وأكثر صلابة، تأخذنا العزلة بعيدًا عن مشاحنات الحياة، وعن الوجوه المتلونة، والنفوس الزائفة، ونستعيد من خلاله زمام أنفسنا، ونتعلم الحكمة، ونتدرب على التوازن، لنحيا بنفسٍ راضية، وقلوب مطمئنة، وأرواح سعيدة.

يقول الروائي والكاتب إرنست همينغوي: "ابتعادنا عن البشر لا يعني كرهًا أو تغيرًا، لكن العزلة وطن للأرواح المتعبة".

لي عند كل كلمة في هذا المقال وقفة تمعن وتدبر وتفكير ومحاكة للواقع الذي أعيشه ويعيشه كثير مثلي . سلمت أناملك على هذا الابداع وننتظر المزيد من هذه الكتابات الهادفة .

عبدالله الأحمدي 2023-09-14 المشاهدات 2

مقال رائع

Abdulbaqi الخطيب 2023-09-14 المشاهدات 1

أضف تعليقك...

 
  • 822 زيارات اليوم

  • 46861405 إجمالي المشاهدات

  • 2993038 إجمالي الزوار