-
بقلم / د. عبدالحكيم بن محمد المغربي
-
جميع مقالات الكاتب
-
نقدي
في السنوات الأخيرة، برزت على بعض الشاشات العربية ظاهرة لافتة، تتمثل في ظهور مذيعات يُقدَّمن على أنهنّ محجبات، بينما يتكرر نمط محدد في الهيئة: إبراز خصلة أمامية من الشعر، مع اعتماد مكياج صاخب يلفت الانتباه أكثر مما يستره.
ومن البداية، لا بد من التأكيد أن الحديث هنا ليس تعميمًا، فبين الإعلاميات نماذج مشرفة تلتزم بالحجاب كما ينبغي، لكن الظاهرة في حد ذاتها باتت تُقدَّم – بشكل غير مباشر – كصورة مقبولة للحجاب، وهو ما يستدعي وقفة صادقة.
السؤال الجوهري: هل الحجاب مجرد غطاء للرأس مع مساحة لإبراز بعض الزينة؟ أم أنه التزام متكامل يقوم على الستر والوقار؟
يقول الله تعالى:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]،
ويقول سبحانه:
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]،
وهذه النصوص تؤكد أن المقصود هو الستر الكامل الذي يحقق العفة، لا الانتقاء الشكلي لبعض عناصره.
وفي السنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات...» (رواه مسلم)،
وهو تحذير من حالة التناقض بين ظاهر يوحي بالستر، وباطن يعكس خلاف ذلك.
إن إبراز خصلة من الشعر، أو المبالغة في الزينة والمكياج، قد يبدو أمرًا بسيطًا في ظاهره، لكنه في حقيقته يعكس تحوّل الحجاب من عبادة إلى مظهر قابل للتشكيل وفق معايير الجاذبية الإعلامية، وهو ما يُفقده روحه ومعناه.
ولأن الإعلام يصنع الذوق العام، فإن هذه الصورة تتسلل تدريجيًا إلى وعي الفتيات، فتُختزل قيمة الحجاب في شكله، لا في مقصده.
وقد سبق أن تناولت هذا المعنى بصورة أوسع في مقال بعنوان: "أنتِ الجوهرة المكنونة" (صحيفة عيون الإلكترونية)، حيث بيّنت أن المرأة في الإسلام مُصانة مكرّمة، وأن الحجاب ليس قيدًا، بل سياج يحفظ هذه القيمة. فالمرأة جوهرة تُصان وتُحفظ، لا تُستعرض لتكون محل نظر كل عابر، ولا تُختزل في مظهر يُستهلك بالنظر.
والمقصود هنا ليس الانتقاص، بل إعادة التذكير بمكانة المرأة التي رفعها الإسلام، وبأن الحجاب الحقيقي يعكس هذه المكانة، ولا يتنازل عنها تحت أي ظرف.
قال صلى الله عليه وسلم:
«الحياء لا يأتي إلا بخير» (متفق عليه)،
فالحياء هو روح الحجاب، وبدونه يتحول إلى شكل بلا مضمون.
إننا بحاجة إلى استعادة المعنى قبل الشكل، والجوهر قبل المظهر؛ فحين ينسجم الظاهر مع الباطن، يتحقق المقصود، وتستقيم الصورة.
وفي الختام، تبقى الرسالة واضحة: الحجاب التزام لا تجزئة فيه، وقيمة لا تُختزل، وهو – قبل كل شيء – طاعة لله، ورفعة للمرأة، وصيانة لمكانتها.
والله من وراء القصد.
أضف تعليقك...