• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الجمعة 2026-04-17

الجامعات وحتمية التغيير

تأملات أكاديمية

  • تسجيل اعجاب 12
  • المشاهدات 334
  • التعليقات 1
  • Twitter
الجامعات وحتمية التغيير
  1. icon

    بقلم / د. محمد بن ملفي الحربي

  2. icon

    جميع مقالات الكاتب

  3. icon

    نقدي

دائمًا ما ارتبطت كلمة الراحة بدلالة إيجابية، بوصفها حالة من الاستقرار النفسي والرضا، غير أن هذا المفهوم شهد تحولًا ملحوظًا في دلالته المعاصرة؛ إذ أصبح يرتبط بما يمكن تسميته منطقة الاستئناس بالوضع الراهن، وهي حالة من الألفة مع الواقع كما هو، تقترن غالبًا بعزوف ضمني عن التغيير. غير أن هذا النمط من “الراحة” لا يعدو كونه حالة سكون قد تتحول، في سياقات التحول السريع، إلى عائق حقيقي أمام التطور.فالتغيير لا يحدث اعتباطًا، بل ينبثق من إدراك واعٍ بالحاجة إليه. تلك اللحظة التي يدرك فيها الفرد أو المجتمع أن الاستمرار على النهج ذاته لم يعد كافيًا، وأن الفجوة بين الواقع والمأمول بدأت تتسع.

ومن هنا، تنشأ القوة الدافعة التي تحفّز نحو التطوير، ويأتي التخطيط الاستراتيجي بوصفه الأداة المنهجية التي تُحدِّد هذه الاحتياجات، وتترجمها إلى أهداف واضحة، ثم إلى مستهدفات قابلة للقياس ضمن إطار تنموي شامل. وعلى مستوى المجتمعات، تتجسد هذه العملية في خطط التنمية الوطنية، التي لا تكتفي برسم الطموحات، بل تحدد مسارات دقيقة لتحقيقها. وهنا يبرز دور المخطط الاستراتيجي في استشراف المستقبل وصياغة الأهداف، غير أن هذا الدور يظل ناقصًا ما لم يتكامل مع دور المجتمع، أفرادًا ومؤسسات، في فهم هذه التوجهات والتحرك باتجاهها.

إلا أن هذا التحرك غالبًا ما يصاحبه قدر من الارتباك؛ إذ يتطلب الخروج من منطقة الألفة، والتخلي عن أنماط مألوفة، والدخول في مسارات جديدة قد تبدو في بدايتها غير واضحة المعالم. ومع ذلك، فإن هذه المسارات تمثل في جوهرها فرصًا كامنة، تمكّن الأفراد من التكيف مع التحولات والاستفادة منها، بدل أن يكونوا خارج سياقها. أما الركون إلى ما يُظن أنه “منطقة مريحة”، فمآله في الغالب الخروج من المسار التنموي والتأخر عن مواكبة الركب.وفي هذا السياق، تبرز الجامعات بوصفها أحد أهم الفاعلين في منظومة التغيير، بل إحدى الركائز الأساسية في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية. فهي ليست مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية، بل منظومات إنتاج معرفي وبشري، تُسهم في إعداد الكفاءات القادرة على التفاعل مع متطلبات الحاضر واستشراف تحديات المستقبل.

ومن هذا المنطلق، فإن التغيير في هياكل الجامعات، وبرامجها الأكاديمية، وسياساتها التعليمية، لا يُعد خيارًا تنظيميًا أو استجابة ظرفية، بل هو نتيجة حتمية لإدراك الأهداف الاستراتيجية للدولة وتحديد مستهدفاتها. فالجامعة التي لا تتكيف مع هذه المستهدفات تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير، بل قد تتحول إلى عبء على منظومة التنمية. ويمكن النظر إلى الجامعات، في هذا الإطار، بوصفها أشبه بخطوط إنتاج يُعاد فيها تشكيل الطالب وفقًا لمخرجات البرنامج الأكاديمي الذي ينتمي إليه. غير أن خطورة هذا التشبيه تتجلى حينما يكون المنتج النهائي—أي الخريج—غير منسجم مع احتياجات السوق أو متطلبات التنمية الوطنية. فهنا لا نتحدث عن خلل تعليمي فحسب، بل عن هدر مركب يشمل الموارد المالية، والجهود المؤسسية، والطاقات البشرية.ولا تقف آثار هذا الخلل عند حدود المؤسسات، بل تمتد إلى الفرد ذاته؛ إذ يقضي الطالب سنوات حاسمة من عمره في مسار أكاديمي قد يكتشف لاحقًا أنه لم يكن ملائمًا، أو أنه لا يفضي إلى فرص حقيقية في سوق العمل.

وعند هذه اللحظة، تتجاوز القضية حدود الاختيار الفردي لتلامس مسؤولية التوجيه المؤسسي، حيث يبرز سؤال جوهري: هل كانت المسارات التعليمية موجهة وفق احتياجات واقعية، أم أنها استجابت لاعتبارات تقليدية لم تعد صالحة؟ إن أخطر ما في هذا الإشكال أنه لا يُقاس فقط بمؤشرات الأداء أو معدلات التوظيف، بل يُقاس بأعمار تُستنزف، وبفرص تُهدر، وبفجوات تتسع بين مخرجات التعليم واحتياجات الواقع. إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجامعات اليوم لا يكمن في مبدأ التغيير ذاته، بل في سرعة الاستجابة له، وجرأة اتخاذ القرار، وصدق المراجعة المستمرة.

فالجامعات التي تمتلك القدرة على قراءة الواقع بعمق، وإعادة تشكيل برامجها بمرونة، هي وحدها القادرة على الإسهام الفاعل في صناعة المستقبل. أما تلك التي تستكين إلى وهم الاستقرار، وتتمسك بمنطقة راحة لم تعد موجودة، فإنها تخاطر بأن تجد نفسها خارج سياق التحول، وفي موقع المتلقي بدل أن تكون في موقع الفاعل.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات، لم يعد السؤال: هل ينبغي أن نتغير؟بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نملك حقًا رفاهية ألا نتغير؟

أتفق تماماً مع طرح سعادة الدكتور فالاستقرار الزائف في الجامعات هو هدر صريح للأعمار وفرص المستقبل. ​إن تحويل المؤسسات التعليمية إلى محركات مرنة تواكب سوق العمل ليس ترفاً، بل هو "ضرورة بقاء" في سباق التنمية. و تكلفة الجمود اليوم أغلى بكثير من مغامرة التغيير.

د عبدالرحمن مقبل 2026-04-17 المشاهدات 1

أضف تعليقك...

 
  • 379385 زيارات اليوم

  • 78505854 إجمالي المشاهدات

  • 3164946 إجمالي الزوار