-
بقلم / زينب بنت محمد أنطاكي
-
جميع مقالات الكاتب
-
اجتماعي
نرتدي أحيانًا أقنعة لا نعرف كيف ومتى لبسناها، نبتسم حين لا نرغب، نصغي بينما نودّ الصمت، ونقول "لا بأس" وقلوبنا تشتكي، هذا ليس حبًا في الزيف، بل لأن المجتمع علّمنا أن نُجامل، أن نُراعي، أن نضع مشاعر الآخرين في كفة، ومشاعرنا في كفة أخرى لا نراها.
التمثيل في العلاقات لم يعد سلوكًا استثنائيًا، بل صار جزءًا من البنية الاجتماعية اليومية، فالبعض يراه ضرورة للحفاظ على التوازن، والبعض الآخر يراه عبئًا يُفقد العلاقات معناها الحقيقي، وبين هذا وذاك، تتشكل علاقاتنا وفق ما نُظهره، لا ما نشعر به حقًا.
اللباقة مطلوبة، لكن متى تتحوّل إلى تمثيل؟ والتمثيل، متى يصبح مرهقًا لدرجة تهدد صدقنا الداخلي؟
حين نرى شيئًا جميلا يستحق المدح والثناء وجب أن نذكره ونثني عليه وهذا أمر سهلٌ وغير منهك للمشاعر، ولكن الأمر يكون صعبًا بل وشاقًا حين يكون عكس ذلك، إذا وجب الأمر أن نجامل ونثني على أمر سيء تحت مسمى "اللباقة أو الذوق"، متى كانت اللباقة في معزل عن الصدق؟ ومتى أصبح الذوق مقرونًا بالكذب والمجاملات؟
تعود بي الذاكرة إلى زمن تربينا فيه على قوانين اللطافة، والعيب، والمجاملات، وألا يقع أحد تحت زلة لسانه أو مشاعره السلبية تجاه الآخرين، تربينا على المسايسة المستمرة وعلى التأدب حتى في شرح مشاعرنا تجاه أي شي، وأحيانًا نخبئ تلك المشاعر تحت بند "العيب"، تربينا على إخفاء الحقيقة إذا كانت مؤذية، وحتى النصيحة إذا كانت في ظاهرها قسوة وفي باطنها كل الحق، تربينا على قانون "الطبطبة" ومراعاة مشاعر الآخرين حتى وإن كانت على حساب مشاعرنا وسلامنا الداخلي.
لا تخلو الحياة من المجاملات فحين أن هناك موظفًا لا يعجبك أسلوبه ولا طريقته في التعامل مع الآخرين ولكنه حين يحصل على ترقية تُسارع لتقديم واجب التهنئة لأنك تخجل من انتقاد الآخرين إذا لم تبادر بالتهنئة، وكذلك إذا دُعيت إلى مناسبة لشخص بينك وبينه مشكلة امتدت بالأذى لك، ولكنك مضطر لحضور المناسبة لأنك تهتم لانتقاد الآخرين لك، أو تخاف من رأيهم بك، وتضغط على نفسك وتلبس قناع الود بينما تحترق من داخلك ألمًا على كرامتك المهدرة بسبب خوف لا مبرر منه، ولبست قناعًا لست من محبيه.
الضغط النفسي الناتج عن التظاهر لا يظهر فجأة، بل يتراكم بهدوء، يبدأ من تلك الابتسامة التي نرسمها مجاملة، ويمتد إلى مواقف نكتم فيها آراءنا ومشاعرنا فقط لأننا نخاف على مشاعر الآخرين، إن التظاهر المستمر يُتعب العقل قبل القلب، لأن الإنسان يضطر أن يراقب نفسه طوال الوقت، يحرص ألا يظهر منه ما لا يجب، يخشى أن تنكشف حقيقته في لحظة شرود، هذا النوع من الضغط يصنع فجوة داخلية بين ما نشعر به فعلًا وما نُظهره، ومع الوقت، قد نبدأ بفقدان الإحساس بهويتنا: من نكون فعلًا؟ ماذا نحب؟ ماذا نرفض؟ كل تلك الأسئلة تنجلي تحت طبقات المجاملة والتمثيل.
تخيّل شخصًا يقضي يومه بين زملاء يضحك معهم رغم شعوره بالحزن، يشارك في أحاديث لا تهمه، ويظهر حماسة لا يمتلكها، مع مرور الوقت، لن يكون مرهقًا فقط، بل سيفقد القدرة على التمييز بين شخصيته الحقيقية وتلك التي صمّمها ليستمر اجتماعيًا، وهذا بحد ذاته نوع من الاستنزاف العاطفي الصامت، ولعل كلمات كارل يونغ تختصر المغزى حين قال: “أعظم امتياز يمكن أن تحققه في حياتك هو أن تصبح نفسك الحقيقية".
تتسطح العلاقات حين يكون التمثيل سيد الموقف، والمجاملات قناع خارجي يغطي حقيقة المشاعر، وحين ينكشف القناع تظهر النوايا وتطفو على السطح وتعلو صوت الخيبات وسيناريوهات الخذلان الغير متوقعة.
إذاً كيف لنا أن نتوازن بين الذوق والمجاملات الكاذبة أو التمثيل؟
الذوق الاجتماعي هو فن التعامل بلطف دون أن نخون ذواتنا، أما التمثيل المتعب فهو محاولة مستمرة لإخفاء حقيقتنا من أجل إرضاء الآخرين، والذوق لا يُشعرنا بالتناقض، بل يجعلنا نحترم اختلاف الآخرين دون أن نفقد احترامنا لأنفسنا، بينما التمثيل يجعلنا نُفرّط بأجزائنا الداخلية، نُجامل على حساب قناعاتنا، ونتحدث بما لا نؤمن به، قد يكون الذوق أن تبتسم بلطف في موقف عابر، أن تصمت بدبلوماسية، أن تراعي مشاعر شخص في لحظة حرجة، لكن التمثيل المتعب هو أن تعيش يومك كاملًا كما لو أنك ممثل على خشبة مسرح، تحسب كل حركة، وتزن كل كلمة، وتخشى دائمًا أن يسقط القناع.
التوازن بين الذوق والتمثيل يبدأ من وعي الإنسان بذاته وحدوده، ليس مطلوبًا أن نكون عفويين طوال الوقت، ولا أن نُجامل بلا وعي، بل أن نختار متى نُظهر اللطف ومتى نقول الحقيقة، حتى لو كانت مُحرجة، فالذكاء الاجتماعي لا يعني تزييف المشاعر، بل القدرة على إيصال ما نشعر به بطريقة لا تجرح ولا تُخفي الحقيقة، أن نكون صادقين لا يعني أن نكون قاسين، وأن نكون لبقين لا يعني أن نُخفي مشاعرنا دائمًا، فالتوازن هو أن نمنح الآخرين احترامهم، دون أن نأخذ من أنفسنا ما لا يُعوّض.
العلاقات الصحية لا تحتاج إلى تمثيل، لكنها أيضًا لا تحتمل القسوة تحت اسم "الصدق"، هناك مسافة آمنة بين أن تكون حقيقيًا، وبين أن تُفرغ كل ما في داخلك دون مراعاة، في العلاقات الناضجة، نختار كلماتنا بعناية، لا لأننا نخشى الآخر، بل لأننا نحترمه، والصدق لا يعني قول كل شيء، والمجاملة لا تعني الكذب، الفرق بينهما يكمن في النية، وفي التوازن بين التعبير عن الذات وحفظ كرامة الآخر، حين نتعلم هذا الفن تصبح علاقاتنا أكثر خفة، وأكثر عمقًا في آن واحد.
إذاً كيف يؤثر التمثيل على حياتنا اليومية بشكل عملي؟
التظاهر المستمر في حياتنا اليومية لا يقتصر تأثيره على مشاعرنا الداخلية فقط، بل يمتد ليؤثر على عدة جوانب من حياتنا العملية والعاطفية، ففي بيئة العمل على سبيل المثال، التظاهر بالحماس أو الإيجابية رغم أن مشاعرنا الحقيقية قد تكون مختلفة، يمكن أن يؤدي إلى تراجع الأداء الشخصي، وعندما نُجامل ونخفي آراءنا الحقيقية نُحرم من فرصة التعبير عن إبداعنا والمشاركة الفعّالة في المشاريع، وقد نواجه أيضًا صعوبة في بناء علاقات حقيقية مع زملائنا في العمل، إذ تصبح هذه العلاقات عميقة على السطح فقط، بينما تظل الفجوة بيننا وبينهم كبيرة على المستوى الشخصي، مما يؤدي إلى نقص الثقة والشعور بالعزلة.
وفي العلاقات الشخصية، يسبب التظاهر المستمر ضغطًا نفسيًا وعاطفيًا، قد نبتسم في وجوه الآخرين بينما نُخفي مشاعرنا الحقيقية، وهذا يُشعرنا بالعزلة ويضعف قدرتنا على بناء علاقات عميقة وصادقة، فالمجاملات الزائدة قد تخلق تصورات غير حقيقية، مما يجعلنا نشعر أن الناس لا يقبلوننا على طبيعتنا.
التأثيرات النفسية والجسدية أيضًا لا يمكن تجاهلها فالتظاهر المستمر يخلق ضغطًا نفسيًا دائمًا، مما يؤدي إلى مشاعر القلق والخوف من اكتشاف الآخرين لحقيقتنا، هذا الضغط لا يؤثر فقط على صحتنا العقلية، بل ينعكس أيضًا على صحتنا الجسدية، الإجهاد النفسي الناتج عن محاولة الحفاظ على القناع قد يؤدي إلى شعورنا بالتعب المزمن، مشاكل في النوم، وحتى توتر العضلات، والأعصاب.
في زمن تُصنع فيه كثير من العلاقات على المجاملة وتُدار على المجازفة، يبقى الصدق الممزوج بالذوق هو الخيار الأصعب، لكنه الأصدق، لسنا مطالبين بأن نكشف أرواحنا لكل من نلقاهم، ولسنا مضطرين أن نتقمص شخصيات لا تشبهنا لنكسب القبول.
العلاقات التي تتنفس الحقيقة دون أن تختنق، وتُمارس الذوق دون أن تتورّط في التمثيل، هي وحدها ما يستحق أن نبقيه حيًا في حياتنا.
وكما قال جبران خليل جبران: “إذا كنت لا تستطيع أن تكون صادقًا، فلا تتظاهر بأنك تحب"، فلنختار علاقاتنا بعناية، ولنبني أجواءً نعيش فيها دون الحاجة إلى ارتداء أقنعة.
أضف تعليقك...