• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأحد 2026-06-07

الآيات 18 - 21 سورة يونس، اللقاء، (10)

تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 158
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات 18 - 21 سورة يونس، اللقاء، (10)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (20) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)

﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل لا يطلع على ذلك أحد ﴿فَانتَظِرُواأي انتظروا نزول ما اقترحتموه من تعجيل العذاب ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنتَظِرِينَأي منتظر لعقابكم على كفركم.

والمكر هنا الطعن في آيات الله وترك شكره ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم وسماه مكراً مشاكلة لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب.

والآيتان 18-19 تسلطان الضوء على بطلان الشرك، وتوضحان أن عبادة غير الله لا تجلب نفعًا ولا ضررًا. وتفضح بطلان حجة المشركين في الشفاعة، مؤكدةً أن الله وحده هو المستحق للعبادة والشفاعة، لا كما يدَّعي المشركون أن أصنامهم شفعاء لهم عند الله، فهذه دعوى باطلة، لأن الله لا يشرِّع الشفاعة لمن لا يستحقها.

كما تبيِّن الآيات أن البشر في أصلهم كانوا أمة واحدة على التوحيد، ثم تفرقوا بسبب الأهواء والاختلافات والشهوات، وأن الفصل النهائي في هذه الاختلافات مؤجل بحكمة الله إلى يوم القيامة، وفيها توبيخ وتقريع للمشركين الذين يجعلون لله شركاء لا يملكون شيئًا. وأن قولهم "هؤلاء شفعاؤنا" هو من أعظم الجهل، لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن أذن له الله. وقوله: أتنبئون الله - تقرير لهم على وجه التوبيخ والتهكم، أي هل تخبرون الله بشيء لا وجود له في السماوات ولا في الأرض؟ بمعنى أن الله يعلم كل شيء، وما تدّعونه باطل لا أساس له.

ثم تنزهه عن الشرك وتنفي أي شريك له في الألوهية، المعنى باختصار: تأكيد بطلان الشرك، واستحالة وجود إله آخر مع الله، لأنه لو كان له شريك لعلمه، والأمة الواحدة تشير إلى وحدة الإنسانية في الأصل والدين، أي من لدن آدم عليه السلام - ثم جاء الاختلاف بسبب العصيان. وكلمة الله هي وعده بالتأجيل والإمهال لاختبار العباد، والحكمة في تأخير الحكم هي إتمام الحجة وإظهار الحكمة الإلهية في اختلاف الناس، والآية تبيّن أسبقية قدرة الله وعظمته في الخلق، وأن الكون أُعد ليكون اختبارًا للبشر في مدى التزامهم بالعمل الصالح والطاعة.

والآية (20) تتحدث عن اعتراض المشركين الذين يطالبون النبي ﷺ بآية حسية تثبت نبوته، كنوع من التعنت والجحود، فجاء الرد من الله عز وجل بأمر النبي ﷺ أن يجيبهم بأن الغيب وأمور الآيات والمعجزات هي من اختصاص الله وحده، وهو سبحانه - الذي إذا شاء - فإنه يختار الوقت والكيفية لإنزالها. ثم يخبرهم النبي ﷺ بأنه سينتظر مع المؤمنين أمر الله تعالى - فيهم وحكمه الذي سيظهر الحق، إذ إن الأمر كله لله وعلى المؤمنين الاقتداء بالنبي ﷺ في الصبر والثبات، لأن النصر محتوم بأمر الله.

والآية رد على المشركين الذين كانوا يطالبون بآية كإنزال الملائكة أو غيرها، وأن هذه المطالب ليست إلا عنادًا. وأن الله تعالى - يأتي بالآيات في وقتها المناسب، وأحيانًا لا يأتي بها رحمةً بهم حتى لا يهلك القوم بعد رؤيتها إذا استمروا في الكفر، وأن "الغيب لله" يشير إلى أن الله وحده يعلم الأصلح ومتى تأتي الآيات، وهو ما يظهر حكمته سبحانه - في التدبير.

كما أن الآية (21) تصور تقلبات البشر بين الشدة والرخاء: فعندما يرفع الله عنهم الضرر، يعود بعضهم للمكر والكفر والجحود بدلًا من الشكر والطاعة، ومع ذلك يحذرهم الله بأن تدبيره أقوى وأسرع من تدبيرهم، ويؤكد أن الملائكة تسجل أعمالهم ليحاسبوا عليها يوم القيامة. وفيها إشارة إلى أن "المكر" هنا هو كفر الناس وجحودهم بنعم الله وصدهم عن سبيله بعد أن يكشف عنهم الضر. وتبيّن أن الله أسرع مكرًا بمعنى أن عقابه أسرع وأشد وأنه تعالى - يحيط بمكرهم ويدبر أمورهم، مما يدل على عدله وحكمته، وأن كتابة الملائكة للأعمال هي تأكيد على أن جميع أعمال الناس محفوظة وستعرض عليهم يوم القيامة.

المغزى العام للآيات:

١- الآيات تدعو إلى التوحيد وتستنكر الشرك، وتبين أن البشر تفرقوا عن الدين الحق بسبب أهوائهم، وأن الحكم النهائي في اختلافاتهم مؤجل إلى يوم القيامة بحكمة الله وعدله.

٢- التأكيد على أن الغيب بيد الله: وأن المعجزات ليست في يد النبي ﷺ بل هي بأمر الله وحده، يقدرها وفق حكمته.

٣- الصبر والثبات: دعوة المؤمنين للثبات في مواجهة المكذبين وانتظار نصر الله.

٤- التحذير للمكذبين: دعوة ضمنية للمشركين للتفكر والتراجع قبل أن ينزل بهم العذاب.

٥- بيان طبيعة البشر في التعامل مع النعم والمحن: حيث يظهر حال كثير من الناس الذين ينسون الله بعد رفع البلاء عنهم، ويقابلون رحمته بالكفر والجحود.

٦- التحذير من مكر الإنسان: يُذكّر الله الناس بأن مكرهم في الكفر بآياته والصد عن سبيله لا يخفى عليه.

٧- علم الله وإحاطته بأفعال البشر: التأكيد على أن الله سبحانه وتعالى - مطّلع على أعمالهم، ورسله الكرام (الملائكة) يدونون كل ما يبدونه أو يخفونه، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم.

٨- جزاء المكر السيئ: الله أسرع مكرًا، أي أن تدبيره وحكمه أقوى وأعظم، ويجازي كل مكر بما يستحقه.

٩- تبيّن الآيات عدل الله تعالى - وسرعة تدبيره، وتحذر من الجحود بعد النعم، وتذكر بأن كل عمل مكتوب وسيجازى به صاحبه.

فائدة:

الفرق بين مكر البشر ومكر الله تعالى من حيث الطبيعة والغاية كبير، رغم أن اللفظ واحد، وإليكم التوضيح:

١- مكر البشر: غالبًا ما يكون خداعًا وتحايلاً لتحقيق مصالح شخصية، أو يكون ظلمًا وعدوانًا، خاصة إذا كان على حساب الآخرين، وهو يعبر عن ضعف الإنسان، حيث يلجأ للمكر بسبب العجز عن المواجهة الصريحة.

٢- مكر الله تعالى: هو مكر بحق، أي أنه عادل ومناسب لأفعال العباد، ويأتي عقابًا للماكرين الظالمين، حيث يجعل كيدهم ينقلب عليهم، وليس خداعًا مذمومًا، بل هو تدبير إلهي حكيم لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

فمكر البشر غالبًا ما يكون ظلمًا وعدوانًا، أما مكر الله فهو عدلٌ وحكمةٌ، ويأتي كعقاب لمن يمكر بالباطل، أو لإحقاق الحق وحفظ المؤمنين ونصرهم، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: أي دبّروا مكائد خفية، فردّ الله - كيدهم ونصر الحق، وجعل مكرهم سببًا لهلاكهم (والله خير الماكرين) لأنه يُحبط مكر الظالمين بأفضل تدبير.

 

 

أضف تعليقك...

  • 252819 زيارات اليوم

  • 103054637 إجمالي المشاهدات

  • 3230145 إجمالي الزوار