الجمعة 2026-06-05
الآيات 13 - 14 سورة يونس، اللقاء، (08)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)
الآية (13) تبرز عاقبة الظلم والإصرار على الكفر، وتؤكد أن الله يعاقب الأمم التي ترفض الإيمان رغم وضوح الدلائل، وهي تحذير لجميع الأمم بأن السير في طريق الظلم يؤدي إلى الهلاك.
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ): إخبار ضمنه وعيد للكفار حيث يخبر الله تعالى - عن إهلاكه للأمم السابقة وأن سبب هلاكهم هو ظلمهم لأنفسهم بالكفر والفساد. ومن عدله سبحانه - أنه لم يهلكهم إلا من بعد أن أرسل لهم الرسل وأنزل الكتب بالآيات البينات التي تُبيّن لهم الحق من الباطل وتثبت وحدانيته وألوهيته وربوبيته واستحقاقه وحده عز وجل - للعبادة والتنزيه والتقديس والتعظيم، والتوجه إليه بالتوبة والإنابة والدعاء والرجاء والتوسل وكل أصناف العبادة القلبية والقولية والعملية، إلا أنهم كذبوا رسلهم عليهم الصلاة والسلام.
(وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ): كذلك؛ أي بمثل هذا الجزاء وهو الهلاك العاجل في الدنيا مع ما ينتظرهم من العذاب في الآخرة يكون الجزاء للقوم المجرمين: أي الذين تعدوا على حقوق الله - وانتهكوا حرماته، فعصوا أوامره ولم ينتهوا عما نهاهم عنه، لذلك فليحذر كل من يخالف أمر الله تعالى - ورسوله عليه الصلاة والسلام - من عقاب الله - العاجل والآجل، فإما أن تصيبه فتنة، أو ينزل به العذاب الأليم - فلا ظالم بخير - ولا يغتر بإمهال الله تعالى - له (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فهذه من سنن الله في خلقه، إما أن يستقيموا على صراط الله المستقيم وإلا فلينتظروا الفتن: سواءً فتن الشهوات أو فتن الشبهات، نسأل الله السلامة والعافية.
والله تعالى - يذكر لنا أخبار الأقوام السابقة لنتعظ بها، ويبيّن لنا أن هلاكهم جاء بسبب عنادهم ورفضهم للحق، وأن الله يعاقب كل من يصرون على الظلم والكفر بعد إقامة الحجة عليهم، وفي ذلك إظهار عدل الله - بإنزال العقاب بالمجرمين بعد إنزال الآيات البينات التي جاءت لتكون حجة على الخلق.
ثم جاءت الآية (14) لتُذكّر الإنسان بأنه خليفة في الأرض، وأن هذا الاستخلاف أمانة واختبار لأعماله، فعلى كل فرد عاقل فطن أن يعمل للإصلاح ويتجنب الظلم، لأن مصير الخلفاء مرتبط بأعمالهم كما كان حال الأمم السابقة، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ)؛ الله تعالى - جعلكم أيها الناس الذين تعيشون الآن في هذا الزمان على هذه الأرض خلفاء من بعد إهلاك الأمم السابقة، وهكذا كلما فسدت أمة استخلفها الله بأمة أخرى (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)؛ لأن الله تبارك وتعالى - كتب فيما كتب من الكتب؛ بأن الأرض يرثها عباده الصالحون، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) والاستخلاف ليس تكريماً فقط، بل هو اختبار يتمثل في القيام بالأعمال الصالحة ومجاهدة النفس بالابتعاد عن المعاصي والآثام، فلقد استخلفهم في الأرض بعد الأمم السابقة ليختبر أفعالهم.
والاستخلاف يرتبط بمسؤولية الإنسان عن إعمار الأرض بالطاعة والعدل، وإلا فإنه عرضة للعقاب، إذاً الغرض من هذا الاستخلاف هو اختبار الناس ليرى الله أعمالهم، هل يسيرون على طريق الإيمان والطاعة أم على طريق الظلم والمعصية.
(نَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ): "لِنَنظُرَ" معناه لتظهر أعمالكم في الوجود فتقوم به عليكم الحجة. ولتظهر أفعالكم على أرض الواقع، فيكون الجزاء بناءً على ما كسبته أيديكم، لا بناءً على ما في علم الله سبحانه - المسبق فقط، وهذا يحقق عدل الله ورحمته، ويُثبت للعبد مسؤوليته الكاملة عن أعماله، والله سبحانه وتعالى - يعلم كل شيء، سواء ما كان أو ما سيكون، وعلمه لا يحده زمان أو مكان، ومع ذلك فإن تعبير "لِنَنظُرَ" هنا لا يُفهم بمعناه الحرفي الإنساني أي "رؤية تقتضي جهلًا سابقًا" بل يُفسر على النحو التالي:
١- قيل: ننظر يعني لنُظهر أفعالكم للملائكة ولأنفسكم، فتقومون بما اخترتموه بحرية كاملة، وتُقام عليكم الحجة بعد العمل. ولنرى ذلك موجوداً ظاهراً واقعاً، لأنه إنما يُجازى العبد على ما يفعل لا على ما علم الله منه أنه سيفعله، وهذا من تمام عدل الله ورحمته بعباده.
٢- وقيل: المراد بالنظر هنا المجازاة على العمل الذي تحقق ووقع، فعلم الله لا ينافي أن يُترك الإنسان يعمل بحرية ليظهر صدق اختياره، فلا يُعاقَب أو يُثاب إلا بعد أن يظهر فعله في الواقع.
من مغازي من الآيات:
١- التحذير من مصير الأمم السابقة: يذكر الله مصير الظالمين السابقين ليكون ذلك عظة للناس.
٢- سنن الله تعالى - لا تتغير: فالعقوبة تُصيب المجرمين في كل زمان ومكان إذا أصروا على ظلمهم وعصيانهم رغم وضوح الحق.
٣- التأكيد على عدل الله: فهلاك المجرمين من الأمم السابقة جاء بعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل وإظهار البينات.
٤- الاستخلاف اختبار إيماني: الإنسان خُلق ليكون خليفة في الأرض، وهذا يقتضي مسؤوليتة في عمارة الأرض بالعبادة الخالصة والأعمال الصالحة.
٥- التذكير بسنة الله: فكما أهلك عزّ وجل - الأمم السابقة لظلمهم، فإن مصير الخلفاء الجدد مرتبط بأعمالهم.
٦- دعوة للمحاسبة الذاتية: الإنسان مسؤول عن أفعاله، وعليه أن يتأمل كيف سيقدم حسابه يوم القيامة، يوم العرض الأكبر على ربّ العزة والجلال.
أضف تعليقك...