الخميس 2026-05-14
الآية (90) من سورة هود، اللقاء (33)
تأمّلات في مغزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (90)
(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) عما اقترفتم من الذنوب، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) فيما يستقبل من أعماركم، بالتوبة النصوح، والإنابة إليه، بالتزام طاعته وترك مخالفة أمره.
(إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ): أي كثير الود والمحبة لمن أطاعه وتاب وأناب إليه، يرحمه فيغفر له ويتقبل توبته، والودود من أسمائه تعالى، أي يحب عباده المؤمنين ويحبونه.
وهكذا نجد شعيبًا -عليه السلام-، ويلقب بخطيب الأنبياء، يلون لقومه النصح، وينوع لهم المواعظ، ويطوف بهم في مجالات الترغيب والترهيب.
والآية تدعو إلى الجمع بين الاستغفار والتوبة كطريق للعودة إلى الله عز وجل؛ فالاستغفار: طلب المغفرة باللسان واعتراف بالذنب، والتوبة: عمل صادق بالقلب والجوارح، يتبعه سلوك يثبت الإقلاع عن الذنب، كردّ الحقوق لأصحابها، وإصلاح ما أفسده بظلمه.
والله تعالى يبيّن أنه رحيم بعباده المستغفرين، فيمنحهم الرحمة والبركة ويجنبهم العذاب، وودود بالتوابين، يقربهم إليه ويتودد لهم بالعفو والمغفرة، ومفتاح الرحمة والمودة الإلهية هو الإلحاح في الاستغفار والصدق في التوبة.
والآية تجمع بين الاستغفار والتوبة، وتربطهما برحمته سبحانه ووده بعباده.
من الآثار الاجتماعية للاستغفار والتوبة:
الاستغفار: يجلب رحمات الله المتتابعة، وينزل البركات، ويفرج الهموم، وييسر الأمور، ويحمي المجتمع من العواقب المترتبة على الذنوب والمعاصي.
التوبة: تدفع الإنسان إلى إصلاح ذاته ومجتمعه عبر الإقلاع عن الذنوب وردّ الحقوق، وتعزز الثقة بعفو الله، وتملأ النفس طمأنينة وسكينة.
والتوبة طريق مستمر يتكرر كلما أخطأ الإنسان، فمن أذنب ثم استغفر وتاب، يغفر له ربّه في كل مرة.
قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربِّه عز وجل في الحديث القدسي:
«أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» رواه البخاري ومسلم.
وهذا لا يعني الاستهانة بالمعصية، بل يبرز أهمية التوبة المتكررة التي تنشئ علاقة ودّ بين العبد وربه سبحانه؛ فالاستغفار يجلب الرحمة، والتوبة توثق الودّ مع الله تعالى، وأثرهما لا يقتصر على الفرد، بل ينعكس على المجتمع؛ إذ يطهر النفوس ويقوي الروابط بين الناس.
والاستغفار والتوبة المستمرة هما سبيل الحياة الطيبة في الدنيا، والفوز برحمة الله تعالى في الآخرة.
قال عليه الصلاة والسلام: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ».
ولقبول التوبة شروط عُرفت من استقراء نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الشروط:
أن تكون التوبة خالصة لوجه الله تعالى، فلا يُراد بها الدنيا أو مدح الناس وثناؤهم، ثم الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها، مع العزم على عدم العودة إليها، ثم إرجاع الحقوق إلى أصحابها إن كانت المعصية حقوقًا للآخرين، وأن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت.
ومن علامات صحة التوبة:
أن يكون العبد بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ فيكثر من عمل الصالحات، ومصاحبة أهل الصلاح، ويحرص على ترك المعاصي والسيئات، والابتعاد عن أهل الزيغ والانحراف.
وفي الحديث: بيان رحمة الله بعباده؛ بفتحه باب التوبة والرجوع إلى طاعته لكل عاصٍ قبل موته، وفيه دعوة إلى عدم تقنيط المذنب والعاصي من رحمة الله، وفيه كذلك أن التوبة النصوح تزيل الذنوب وتبدلها حسنات.
﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
أضف تعليقك...