• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الاثنين 2026-02-09

الآيات 42 - 52 سورة إبراهيم، اللقاء، (13)

  • تسجيل اعجاب 2
  • المشاهدات 237
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات 42 - 52 سورة إبراهيم، اللقاء، (13)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

 وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)

 سورة إبراهيم - بشكل عام تتناول موضوع الدعوة إلى التوحيد، وتحذير الكافرين والظالمين من العاقبة الوخيمة لأعمالهم. وكذلك دعوة الرسل لأقوامهم وموقفهم من التوحيد والعبادة الصحيحة، وتعرض نماذج لنتائج الظلم والتكذيب، كما تبيّن مصير الظالمين في الدنيا والآخرة.

وهذه الآيات تأتي كتأكيد على أن الله لن يترك الظالمين بلا عقاب، وأن يوم القيامة سيكون الفيصل في تحقيق العدالة الإلهية. والمقصد الأساسي للآيات : هو تحذير الظالمين من عذاب الله الذي لا مفر منه، وتأكيد أن تأخير العذاب ليس غفلة من الله تعالى - بل لحكمة إلهية. (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) : تأويل "غَٰافِلًا" : يحتمل وجهين : أحدهما أن الله تعالى - غير غافل وغير مخلف وعده، والآخر أن المراد إعلامه بعقوبة الظالمين فيكون مقصد الكلام هو الوعيد لهم. وإنما يؤخر عقابهم ليوم القيامة، يوم يتسم بالرعب على الكافرين ، ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ أي تحد النظر من الخوف وشدة الهلع ولا تستطيع الرمش.

(مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) : هذا وصف لحالة الظالمين يوم القيامة: في يوم الحساب، سيقف الظالمون في حالة ذل ورعب، مهطعين أي: مسرعين، ومقنعي رؤوسهم أي: رافعين رؤوسهم دون حركة، لا يرتد طرفهم من الحذر والجزع وشدة الخوف، وقلوبهم مضطربة في صدورهم، هواء أي خاوية من أي أمل أو راحة.

(وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ) : عندما يدرك الظالمون خطأهم، سيطلبون من الله - تأجيل العذاب ليتمكنوا من التوبة واتباع رسله، لكن هذا الطلب مرفوض، بعد أن أضاعوا فرصة الإيمان في الدنيا. فيقال لهم أوَ لم تكونوا ؟ ﴿ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ﴾ : من زوال : يعني من الأرض بعد أن تدفنوا فيها، أي حلفتم أنكم لا تبعثون من بعد الموت.

 ثم يذكّرهم الله عز وجل - بأنهم عاشوا في مساكن أقوام ظلموا أنفسهم من قبل ورأوا ما حل بهم، وقد ضرب الله - لهم أمثالًا واضحة، لكنهم لم يعتبروا. (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) : والجبال يراد بها الشرائع والنبوات، شبهت بالجبال في ثبوتها، والمعنى أن مكرهم كادت تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة؛ "لَتَزُولُ أو لِتَزُولَ" قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى وضم اللام الثانية، وقرأ الباقون بكسر اللام الأولى وفتح اللام الثانية" الأولى" لَتَزُولُ": أي كاد مكرهم يزيل الجبال، سواء الجبال بحقيقتها أو يقصد بها العقيدة، وأما الثانية التي بكسر اللام "لِتَزُولَ" فهي بمعنى ما كان مكرهم بقادر على أن يزيل الجبال، والمقصود : تعظيم مكرهم بمحاربة الدين وما شرع الله لعباده، ولكنه - سبحانه وتعالى - أعز دينه، وجعل كلمة الله  هي العليا.

 فالظالمون يمكرون ويدبرون مخططاتهم، ولكن مكرهم مهما كان قوياً لا يستطيع الصمود أمام قوة الله عز وجل - ومكره سبحانه وتعالى - بهم هو الأقوى وهو الغالب. "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" فلا تظن أيها المؤمن الموقن بوعد بربك إلا خيراً، وعليك أن تتمسك بشرع الله - وتثبت على الإيمان، وتصبر وتنتظر وعد الله - (ٖفَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) : وعده بثواب المؤمنين ومعاقبة الظالمين، ووعده بالنصر للمؤمنين على الظالمين المجرمين ، فقدم الوعد أولاً بقصد الإطلاق لعموم المؤمنين ، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. وفي هذا تأكيد بأن الله تعالى - لن يخلف وعده لرسله، عليهم الصلاة والسلام - وللذين آمنوا معهم، وسيحقق لهم النصر، وهو عزيز ذو انتقام، قادر على معاقبة من يستحق العقاب. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) : وتبديل الأرض بأن تكون يوم القيامة بيضاء عفراء كقرصة النقي قال عليه الصلاة والسلام : (يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عَفْراءَ، كقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليس فيها مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ )، و"عفراء" تعني البياض الذي يميل إلى النقاء والصفاء، و"قرصة النقي" تشبيه للخبزة المصنوعة من الطحين النقي الخالي من الشوائب. ﴿ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ تبديلها بانشقاقها وانتشار كواكبها، وخسوف شمسها وقمرها.

في ذلك اليوم العظيم، سيتغير كل شيء، حيث تبدل الأرض والسماوات، ويظهر الجميع أمام الله الواحد القهار. والحكمة في تأجيل الله تعالى - لعقاب الظالمين تكمن في منحهم فرصة للتوبة والرجوع إلى الحق، وفي اختبار إيمان الناس وصبرهم على الظلم. كما يظهر الله في هذا التأجيل قدرته على تحقيق العدالة في الوقت المناسب وفق حكمته، ليكون الحساب يوم القيامة شاملاً وعادلاً لكل البشر، دون ظلم أو إهمال لأي عمل، "لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى" سواءً عجل لهم ذلك الجزاء أو أخره عنهم ليوم القيامة، ( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ) : أي مربوطين في الأغلال، ( سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) : السربال هو القميص، أي قمصهم، ﴿مِّن قَطِرَانٍ﴾ : أي شيء غير نقي أو كريه الرائحة، وذلك كناية عن السواد أو الفساد. أي أن المجرمين سوف يُحضرون يوم القيامة مقيدين بالسلاسل، مرتدين ملابس من قطران ملتهب، وتغشى وجوههم النار.

(لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) : كل نفس ستحصل على ما تستحقه من جزاء على أعمالها، ووصف "الله تعالى - بأنه سريع الحساب" يأتي في القرآن الكريم في عدة مواضع، ويعني أن الله تعالى يُحاسب عباده بسرعة ودقة دون أي تأخير أو إغفال. فالله عز وجل - ليس بحاجة إلى وقت طويل ليقيم أعمال الناس ويحدد مصيرهم، بل هو قادر على الحساب على كل شيء بلمح البصر، فالذي يرزقهم في وقت واحد قادر على أن يحاسبهم في وقت واحد، لأن علمه محيط بكل شيء. وهذا الوصف يحمل دلالات على قدرة الله - المطلقة، وعدله في المحاسبة، وتنبيهاً للناس على أن يوم الحساب آتٍ لا محالة، وعليهم الاستعداد له، لأنه لن يتأخر، ولن يظلم الله أحداً في حسابه.

(هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، هَٰذَا بَلَاٰغٌ : إشارة إلى القرآن وإلى ما تضمنته هذه السورة، لذلك كل ما نحتاجه في حياتنا وآخرتنا موجود في هذا القرآن، البيع والشراء والمعاملات والحقوق والأحكام والواجبات والعلاقات بمختلف أنواعها وغيرها الكثير والكثير. وهذه الآيات هي بلاغ : أي إنذار وتخويف وحجة وتحذير للناس ليتفكروا ويتذكروا ويتأكدوا بأن الله تعالى - واحد، لا شريك له في الملك، ولا يستحق العبادة أحد سواه. ﴿ْ وَلِيُنذَرُوا ﴾ أي لينصحوا وليخوفوا به، وليحذر الظالمون المعرضون عن آيات الله - المكذبون لرسله، ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ : تشير إلى أن الهدف من الأحكام والتشريعات الإلهية هو تذكير أصحاب العقول السليمة "أولو الألباب" أي أولئك الذين يستخدمون عقولهم لفهم حكمة الله وتدبر آياته، فيعقلون بها الحق من الباطل، والطيب من الخبيث، وهم أهل العلم والإيمان. لذلك أليس حري بنا أن نصحب هذا القرآن، أليس حري بنا أن نتعلمه ونعلمه ونعمل به ونتمثله، أليس حري بنا ألا نهجره، لكي لا نكون من الذين يشتكي منهم الرسول صلى الله عليه وسلم - إلى ربّه عز وجل - "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا". فقد ظهرت لنا الحجة، وبانت لنا المحجة، فلا عذر لنا بالتفريط في هذا الكتاب الذي أكرمنا به - الله تبارك وتعالى - فعلينا أن نبذل من جهدنا ومن أوقاتنا ومن أموالنا ومن جاهنا ومن علمنا لخدمة كتاب الله تعالى - ونشره للعالمين، لننقذ البشرية من ظلمات الجهل والفساد إلى أنوار الإيمان والقرآن. "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ". عندئذ ينصرنا الله - ويعطينا سؤلنا، وينجز لنا وعده، "وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ".

 

المغزى العام للآيات : هو تحذير الظالمين من أن الله ليس غافلاً عن أفعالهم، بل يؤجل عقابهم لحكمة، وسيواجهون جزاءهم العادل يوم القيامة. في ذلك اليوم، سيشعرون بالذل والندم، لكن لن ينفعهم طلب التأجيل أو التوبة. والله تبارك وتعالى - عادل وسريع الحساب، ويوم القيامة سيكون يوم تحقيق العدالة المطلقة، حيث يجازى كل إنسان على أعماله.

الخاتمة : سورة إبراهيم تدعو الناس إلى التفكر في مصائرهم وتذكّرهم بقدرة الله - وعدله، وتحثهم على التوبة والإيمان قبل أن يأتيهم يوم لا ينفع فيه الندم.

 

تمت السورة، ولله الحمد والمنّة، وبه التوفيق والعصمة.


أضف تعليقك...

  • 45464 زيارات اليوم

  • 61276955 إجمالي المشاهدات

  • 3115215 إجمالي الزوار