• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأحد 2026-02-08

الآيات 35 - 41 سورة إبراهيم، اللقاء، (12)

  • تسجيل اعجاب 2
  • المشاهدات 268
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات 35 - 41 سورة إبراهيم، اللقاء، (12)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

 

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (35) ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (36) ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (37) ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (38) ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (39) ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (40) ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (41)

 

الآيات السابقة تتحدث عن نعم الله تعالى - العظيمة على عباده وضرورة توجيه الشكر لله وحده، بينما هذه الآيات تضمنت دعاء إبراهيم عليه السلام - كتعليم عملي للشكر على تلك النعم والاعتراف بها، ودعاء إبراهيم عليه السلام - يمثل نموذجاً للشكر والتوحيد، كما يطلب من الله أن يُبقي ذريته موحدين لله وشاكرين لنِعَمه. وفي هذه الآيات الكريمة نتأمل في دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام - وما فيه من معان عظيمة تتعلق بالتوحيد، والشكر، والحفاظ على الأجيال القادمة. ويتضمن طلب الحماية من عبادة الأصنام، ودعاء بالأمن والهداية والاستقامة لذريته، ودعاءه بالمغفرة لجميع المؤمنين يوم الحساب. وإليك شرحًا لها : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾: هذا يعكس حرص إبراهيم - على توفير الأمان لمكة المكرمة ، لأن الأمن ضروري لحياة الإنسان وعبادته واستقراره. ويسأل الله تعالى - أن يجنبه هو وأبناءه الوقوع في فخ عبادة الأصنام، والتي هي من أخطر الأشكال التي أضلت البشرية عبر التاريخ. وهذا الدعاء يُظهر اهتمامه بالتوحيد الخالص لله - الواحد الأحد، الفرد الصمد، ويعبر عن خوفه من الانحراف عن الطريق القويم.: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ ﴾ الأصنام كانت سببًا في ضلال الكثير من البشر، إذ حولتهم عن عبادة الله الواحد إلى عبادة ما لا ينفع ولا يضر. كما يوضح إبراهيم - أن من تبعه على طريق الإيمان بالله وتوحيده، هو من أتباعه، وليس المشركين الذين يدعون الانتساب إليه.: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يعني من عصاه بغير الكفر أو بالكفر ثم تاب منه، فيدعو للعصاة بالمغفرة والرحمة، وهذا لعلمه بسعة رحمة الله عز وجل - كما يظهر حلمه عليه الصلاة والسلام - (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) : "أوَّاه" يعني كثير الدعاء والتضرع إلى الله، وقيل أيضًا: هو الذي يتأثر قلبه عند ذكر الله ويخشع. و "حليم" تعني صبورًا متسامحًا، لا يستعجل الانتقام ممن أساء إليه، بل يتحلى بالعفو والرفق. ثم يدعو عليه السلام - لذريته، وهذه سنة يغفل عنها الكثير من الناس، إذ إن الدعاء للذرية من سمات عباد الرحمن، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، كما يعلمنا أدب الدعاء، ومنه إظهار الافتقار والحاجة لله عز وجل - ومنه افتتاح الدعاء بقوله: (ربنا)، مع تكرارها إظهاراً للتبعية والتودد لله تعالى - بربوبيته، إذ إن الربوبية تعني الإيمان بأن الله - الخالق والمدبّر والمتحكّم في الكون، وهو الذي يرزق ويحيي ويميت، ويدير شؤون جميع المخلوقات. وهي تختص بأفعال الله وعلاقته بالكون دون الشركاء أو الوسائط. ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾ يعني الكعبة، فإما أن يكون البيت أقدم من إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات، وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه سيبني هناك بيتاً. والمعنى : يا ربنا إني أسكنت بعض ذريتي وهو ابني إسماعيل عليه السلام - ومن سيولد له ، بواد غير ذي زرع : أي خال من أسباب الحياة المادية بين الجبال، قريبا من بيتك المحرم، أي: الذي حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذي جعلته مثابة للناس وأمنا ، وفضلته على غيره من الأماكن. (رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة ) : بيان للباعث الذي دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب المبارك، وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولأنها وسيلة الاتصال بين العبد وربّه عز وجل - ولكمال العناية بشأنها. ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ ۡ: أي تسير بجد وإسراع نحوهم، لعمارة أرض الحرم، وتعظيم البيت العتيق، ويجعل قلوب الناس تميل إلى ذريته المقيمة عند البيت الحرام، فتحبهم وتأنس بهم. والمعنى يشمل قدوم الناس إلى مكة برغبة وشوق، مما يعزز مكانتها كقبلة للمؤمنين وموضع بركة وأمان لهم. وقد حبب الله تعالى حج البيت إلى الناس، حيث إنه قال من الناس بالتبعيض، قال بعضهم: ولو قال أفئدة الناس لحجته جميع الناس على مختلف معتقداتهم من كل الأرض. وهذا دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا ، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله تعالى - وليتبادلو المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين والحجاج والمعتمرين لهذا البيت المعمور. والأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب والنفوس . "فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه ، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك ، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك" (وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ : وقد أجاب الله تعالى - دعوة إبراهيم عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنه، بوجود أصناف الثمار فيه على مدار العام﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾.: هذه العبارة تعبر عن ثقة إبراهيم الكاملة بعلم الله - وقدرته المطلقة، وأنه سبحانه - لا يخفى عليه شيء. ﴿ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: يحتمل أن تكون هذه الجملة من كلام الله تعالى - أو من قول إبراهيم. والآية تؤكد شمول علم الله سبحانه وتعالى، فلا يخفى عليه شيء، صغيرًا كان أو كبيرًا، ظاهرًا أو باطنًا، في الأرض أو السماء. وهذا يدل على كمال علم الله وإحاطته بكل شيء، وهو تذكير للمؤمنين بأن الله مطّلع على أعمالهم وأحوالهم، فلا يغيب عنه شيء من أمور الخلق.: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ ﴾ إبراهيم يشكر الله على نعمة الأبناء، إذ وهبه الله تعالى - إسماعيل وإسحاق بعد أن تقدم به العمر، مما يعد معجزة وفضلا ورحمة من الله. (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعاء ) : الآية تؤكد استجابة الله للدعاء وسماعه لعباده، إذا صدر من قلب صادق خاشع، فهو يسمع دعاء من يناجيه ويعلم حاجته، ويستجيب بفضله ورحمته في الوقت والحال المناسبين. وقد جاءت هذه العبارة على لسان إبراهيم عليه السلام، تأكيدًا لثقته في الله وتذكيرًا للمؤمنين بضرورة التوجه إلى الله بالدعاء والإيمان بقدرته على الإجابة. ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾: ثم يدعو الله - أن يجعله مقيمًا للصلاة هو وذريته، وذلك لأن الصلاة هي عماد الدين وأساس العلاقة بين العبد وربه.: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ بعد ذلك يطلب من الله أن يتقبل منه دعاءه، وهو ما يعبر عن تواضعه ويقينه بأن قبول الدعاء بيد الله. ولأن الدعاء هو مفتاح كل خير من خيرات الدنيا والآخرة، قال عليه الصلاة  والسلام: (الدعاءُ هو العبادةُ ثم قرأ ﴿وقال ربُّكم ادعوني أستجبْ لكم﴾. ثم يختم دعاءه، بالدعاء للوالدين وللمؤمنين بالمغفرة يوم الحساب،﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾: وهو يشير هنا إلى والديه المؤمنين، وليس إلى أبيه "آزر" الذي كان من عبدة الأصنام ، وهو بهذا يعكس إحساسه بالمسؤولية ليس فقط تجاه نفسه وذريته، بل تجاه والديه وجميع المؤمنين، ويظهر من خلال دعائه لهم، واهتمامه وحبه الخير للغير كما يحبه لنفسه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (تَرى المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشْتَكى عُضْوًا تَداعى له سائِرُ جَسَدِهِ بالسَّهَرِ والحُمّى). وقيل : إنما دعا إبراهيم لأبيه قبل أن يتبين له أنه عدوّ لله - حسبما ورد في سورة التوبة، (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).

 

من مغازي الآيات :

إن الدعاء هو أداة العبد الأقوى الذي يستفتح به كل خير، ويصرف به عنه كل شر ، ويبلغه كل ما يتمنى ويرجو من سعادة الدنيا وفوز الآخرة، وإبراهيم عليه السلام- يعلّمنا في هذه الآيات أهمية التضرع إلى الله والدعاء له في كل أمور حياتنا. كما تظهر مدى خطورة الشرك، وأهمية التمسك بالتوحيد الخالص. وتبيّن أن الدعاء والشكر على النعم هما أساس علاقتنا مع الله، وتظهر لنا الاهتمام بالصلاة، لأنها الوسيلة للصلة بين العبد وخالقه عز وجل - لذلك جعلها إبراهيم محور دعائه لنفسه ولذريته. كما ترشدنا إلى أهمية الدعاء للأبناء وللأجيال المقبلة، بالهداية والاستقامة في العبادة. كما أن دعاء إبراهيم للمؤمنين يعكس روح التضامن والإحساس بالمسؤولية تجاه الأمة، وهو ما يجب أن يتحلى به كل مؤمن، وهذا يتناسب مع مضمون الآيات التي سبقت، ففي الآيات السابقة، يبين الله تعالى نعمه العظيمة التي لا تُعد ولا تُحصى على عباده. وإبراهيم عليه السلام - في هذه الآيات يمثل نموذجاً للشاكرين لله - على تلك النعم.

 

فائدة:

"الأبوان" لفظ يحمل معنى أوسع ويشمل كل من يقوم بدور الأب والأم في حياة الشخص، بما في ذلك التربية والرعاية. إذاً، ليس كل والد هو بالضرورة أب، فقد يموت الوالد أو يتخلى عن ولده، كما أنه ليس كل أب هو والد. فمثلاً، قال أبناء يعقوب عليه السلام: "قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"، وقال يوسف عليه السلام: "وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، حيث تم وصف إبراهيم وإسماعيل وإسحاق بأنهم "آباء" لأبناء يعقوب، مع أن إسحاق هو جدهم، وإبراهيم هو أب جدهم، وتم وصفهم كذلك بأنهم "آباء" ليعقوب، مع أن إسماعيل هو عم يعقوب عليهم السلام.

أضف تعليقك...

  • 44296 زيارات اليوم

  • 61275794 إجمالي المشاهدات

  • 3115208 إجمالي الزوار