السبت 2026-02-07
الآيات 32 - 34 سورة إبراهيم، اللقاء، (11)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزقٗا لَّكُم وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلفُلكَ لِتَجرِيَ فِي ٱلبَحرِ بِأَمرهۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنهَٰرَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ دَآئِبَيۡنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلّيلَ وَٱلنَّهَارَ (33) وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحصُوهَآ إِنَّ ٱلإِنسَٰنَ لَظَلُوم كَفَّار (34)
هذه الآيات جاءت لتذكير الناس بعظمة نعم الله - بعد ذكر نموذج الكافرين الذين بدلوا نعمة الله كفراً. وعلى ضرورة شكر الله تعالى - على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وللتنبيه على عاقبة الجحود والكفر بها كما جاء ذكره في الآيات السابقة. وأنه لا يحق للإنسان أن يكفر بهذه النعم أو يجحدها. بمعنى آخر، الله يقدم في هذه الآيات تذكيراً قوياً للناس بفضله ومنّه عليهم بعد أن بيّن عقوبة من أنكر تلك النعم. والسورة بأكملها تركز على التوحيد والشكر مقابل الكفر والجحود. فبعد أن ذكر الله عاقبة الجاحدين والكافرين في الآيات السابقة، تأتي هذه الآيات كدعوة إلى التفكر في نعم الله والإقرار بها وشكره عليها. وذلك كاستكمال للدعوة إلى شكر الله على النعم. وكما أن السورة بدأت بذكر أن الله - الذي أنزل الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، تأتي هذه الآيات لبيان نعم الله الحسية في الكون كالخلق، والرزق، وتسخير الشمس والقمر، والأنهار، مما يشير إلى أن النعم تتنوع بين نعم دينية وأخرى دنيوية. والهدف هو التأكيد على أن كل النعم من عند الله، وأن الإنسان مدعو للتفكر وشكر الله تعالى - بدلاً من الكفر والجحود. وأن نعم الله التي أنعم بها على البشر، هي من أعظم آيات الدلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى ورحمته. فيقول عز وجل: (ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضَ) : هذا التصريح يبيّن عظمة الله ويذكّر الإنسان بأن كل ما يراه في الكون هو من صنع الله وحده، وهو الذي يملك القدرة المطلقة. (وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ) : الماء في القرآن دائماً يأتي كرمز للرحمة والحياة، وهو العنصر الأساسي الذي يحيي كل شيء. "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" بالماء الذي ينزل من السماء، ينبت الله - الثمار والمحاصيل، "فَأَخرَجَ بهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَتِ رِزقٗا لَّكُم" : فالثمرات مصدر رزق للإنسان. وهو من فضل الله ورعايته لمخلوقاته.
(وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلفُلكَ لِتَجرِيَ فِي ٱلۡبَحرِ بِأَمرِهِۦ) : وهذا من تسخير الله تعالى - للطبيعة من أجل خدمة الإنسان. السفن كانت وما زالت وسيلة لنقل البضائع والأشخاص، وهي من النعم التي يسّرها الله لعباده. ويقاس على ذلك الطائرات والقطارات والسيارات والشاحنات وغيرها من وسائل النقل. (وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنهَٰرَ) : أي أنها مصدرًا دائمًا للماء العذب، يستخدمه الإنسان للشرب ، والري للزرع والحيوان، ولأغراض حياتية أخرى. وهناك الأنهار التي تجري فوق الأرض، كما أن هناك الأنهار التي تجري في باطن الأرض، حيث يتم الحصول على مياهها عن طريق حفر الآبار، وهذا التسخير يسهم في استمرارية الحياة والرزق. (وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ دَآئِبَينِ) : حيث تسير بنظام دقيق وثابت، وذلك من أجل توفير الضوء والدفء وتنظيم الزمن. فالشمس مصدر للطاقة والحرارة، ومنافع أخرى عديدة، والقمر يرتبط بتحديد الأشهر والسنوات، وينير ظلام الليل، ليضفي على الكون الجمال والوناسة، وله منافع أخرى عديدة . (وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ) : وهما يتعاقبان بانتظام لتيسير حياة الإنسان. الليل للنوم والراحة، والنهار للعمل والسعي في طلب الرزق. وتعاقب الليل والنهار بانتظام هو من أعظم النعم التي تجعل الحياة منتظمة ومستقرة. (وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلتُمُوهُ) : سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كل ما يحتاجه الإنسان لتسيير حياته قد وفره الله تعالى - له من الطعام، الماء، الهواء، الأرض، السماء، وغيرها من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى. (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) : الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه؛ ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته حالاً ؛ لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعاً إلى الله، وإلحاحاً في الدعاء؛ فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه؛ أو يدخره له يوم القيامة؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي؛ ولا تحتاج إذا أردتَ دعاءه إلى مواعيد، ولا إلى أذونات، ولا شيء من ذلك، إنما هو بالتوجه إليه بقلب صادق، وتسأل حاجتك، وقد قيل : "من مثلك يا ابن آدم - خُلي بينك وبين المحراب، تدخل منه متى شئت على ربك، وليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان " فيا لها من نعمة لا يعرف قدرها إلا الموفق - ونعوذ بالله - مما وقع فيه كثير من جهال المسلمين من الدعاء والتوسل بالأولياء والصالحين، وظنهم أن الدعاء لا يقبل إلا من طريق الولي الفلاني أو الشيخ الفلاني - (وَإِن تَعُدُّواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحصُوهَآ) : التذكير والتأكيد على أن نعم الله كثيرة جدًا، ولو حاول الإنسان عدّها وحصرها، فلن يستطيع. وهذه النعم تتجاوز قدرة الإنسان على الإدراك أو الإحصاء. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حِيزت لَهُ الدُّنيا ): مما يبين أن الإنسان ينبغي أن يشكر الله على نعمه وإن بدت بسيطة في نظره. (إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُوم كَفَّار) : على الرغم من أن الله قد أنعم على الإنسان بكل هذه النعم، إلا أن الإنسان في أغلب الأحيان يظلم نفسه بكفره وجحوده لتلك النعم، ولا يشكر الله حق الشكر. أو أنه ينسبها لنفسه أو لغير الله تعالى - وهذه الآية تنبّه الإنسان إلى ضرورة الاعتراف بنعم الله وشكره عليها، وإلا يكون من الظالمين الكافرين للنعم .

أضف تعليقك...