الخميس 2025-12-04
الآيات(19 - 25) سورة النحل، اللقاء، (08)
تأمّلات في مغزى الآيات، بمنظور اجتماعي!
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{18 وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ 19 وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ 20 أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ 21 إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ 22 لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ 23 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ 24 لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ 25}
هذه الآيات من سورة النحل تتناول موضوع التوحيد والرد على المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى. وتحذر من مغبة الاستكبار والضلال.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)، يبين الله عز وجل علمه الكامل بكل ما يفعله البشر سواء في السر أو العلن. وهذا يرسخ حقيقة أن الله عليم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء في الكون.
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، فيها تأكيد عجز الآلهة التي يعبدها المشركون. هذه الآلهة لا تستطيع أن تخلق شيئاً لأنها مخلوقة، وهي أموات لا حياة فيها. فنفى عن الأصنام والأوثان وغيرها من المعبودات من دون الله صفات الربوبية، وأثبت لهم أضدادها، وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين بوقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم أثبت الربوبية لله وحده فقال: (إِ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ).
﴿أَأَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي لم تكن لهم حياة قط ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدّمت له حياة ثم مات، ثم يعقب موته حياة، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضمير في "يشعرون": للأصنام والأوثان، وفي "يُبعثون" للكفار الذين عبدوهم، وقيل: إن الضميرين للكفار.
(إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)، التأكيد على أن الله هو الإله الواحد الحق، وأن قلوب المشركين منكرة لهذه الحقيقة بسبب استكبارهم وإنكارهم للآخرة. ﴿ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ أي تنكر وحدانية الله عز وجل.
﴿لَا جَرَمَ﴾ أي لا بد ولا شك، وقيل إن "لا" نفي لما تقدم، و"جرم" معناه وجب، أو حق.
(لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)، التأكيد مرة أخرى على أن الله يعلم كل ما يسرونه وما يعلنونه، وأنه لا يحب المستكبرين، والمقصود بهم الكفار الذين يعرفون الحق ورغم ذلك ينكرونه، بسبب التعصب للآباء والأهل والعشيرة.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، الإشارة إلى أن المشركين عندما يُسألون عن القرآن، يردون بأنه مجرد ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما سطره الأولون، من قصص وخرافات، وهذا يعكس استكبارهم واستهزاءهم بالوحي.
(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)، تحذيرهم من أنهم سيتحملون أوزارهم أي: ذنوبهم، يوم القيامة، بالإضافة إلى أوزار الذين أضلوهم بدون علم، أي الذين يقلدونهم ويقتدون بهم ويتأثرون بضلالاتهم وأفكارهم الظالمة، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان يتحمل مسؤولية ضلاله وضلال من يتبعه على طريق الخطأ.
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ اللام لام العاقبة والصيرورة: أي قالوا أساطير الأولين، فأوجب ذلك أن حملوا أوزارهم وأوزار غيرهم ممن قال بذلك، ويحتمل أن تكون للأمر، أي فليحملوا إذاً أوزارهم وأوزار غيرهم ممن يقتدون بهم.
مغزى الآيات: ضرورة الاعتراف بوحدانية الله عز وجل - والابتعاد عن عبادة أي شيء أو شخص غيره، والتأكيد على أن الله يعلم كل شيء، مما يجعل المؤمن حريصاً على تجنب المعاصي والذنوب، وبيان أن الاستكبار والإنكار للحقائق يؤديان بالإنسان إلى الضلال، ويجعلانه محروماً من رحمة الله. مع التأكيد على ضرورة التحقق من صحة المعتقدات وعدم اتباع الأفكار الخاطئة التي تضلل الناس، لأن كل إنسان يتحمل وزره ووزر من أضلهم معه، ومن أضلهم من بعده.
نسأل الله السلامة والعافية، عن أم سلمة رضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين قالت: (ما خرج النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم من بيتي قَطُّ إلا رفع طَرْفَه إلى السماءِ فقال: اللهم أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ).
أضف تعليقك...