الأربعاء 2025-12-03
الآيات (10- 18) سورة النحل، اللقاء (07)
تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الآيات تتحدث عن نعم الله على خلقه وتوضح مظاهر قدرته ورحمته في الكون. وتدعو الإنسان للتفكر في عظمة خلق الله وقدرته، وتحذره من الانشغال بعبادة ما لا ينفع ولا يضر. كما تدعو إلى الاعتراف بنعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وحث المؤمنين على الشكر والامتنان لله سبحانه وتعالى الذي أنزل الماء من السماء ليكون سببًا في حياة البشر والحيوان والنبات. {وَمِنْهُ شَجَرٌ} يعني ما ينبت بالمطر من الشجر، {فِيهِ تُسِيمُونَ} أي ترعون أنعامكم. والله هو الذي أنبت الزرع والزيتون والنخيل والأعناب وكافة الثمرات. {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ} يعني الحيوان والأشجار والثمار وغير ذلك {مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} أي أصنافه وأشكاله، كما أنه تعالى سخر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لخدمة الإنسان. وسخر البحر لاستخراج الطعام واللؤلؤ والحلي، و{لَحْمًا طَرِيًّا} أي الحوت، و{حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يعني اللؤلؤ والمرجان، وقوله: {مَوَاخِرَ فِيهِ} جمع ماخرة يقال: مخرت السفينة، والمخر: شق الماء، وقيل: صوت جري الفلك وهي تشق عباب البحر، {وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني في التجارة وهو معطوف على لتأكلوا.
{وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} الرواسي: الجبال، واللفظ مشتق من رسا إذا ثبت، والمعنى أنه ألقى الجبال في الأرض لئلا تميد الأرض؛ والمَيْد: الاضطراب يمينًا وشمالًا، {وَأَنْهَارًا} أي: خلق الأنهار التي تجري من تحت الأرض، ومن فوقها بالماء الطهور العذب الصالح للشرب، و{وَسُبُلًا} أي: طُرُقًا ومسالك. {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: إلى حيث تقصِدون من البلاد فلا تضلون ولا تتحيّرون.
{وَعَلَامَاتٍ} أي: إشارات وأعلامًا، يستدل بها على الطرق من الجبال والمناهل وغير ذلك، لعلكم تعتبرون وتتفكرون بما خلق الله من العلامات والنجوم لهداية الناس في البر والبحر. {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} يعني الاهتداء بالليل في الطرق، فالنجوم والكواكب لها مسارات ومنازل منتظمة ثابتة، تُحسب بها الليالي والأيام والسنوات، ويهتدي بها البشر تنتظم بها حياتهم وأعمالهم، وفي اتجاهاتهم وأسفارهم، والآيات تفارق بين الله تعالى الخالق المنعم وبين المعبودات الباطلة التي من دونه، حيث إنها لا تخلق ولا تنعم ولا تملك لكم موتًا ولا حياة، ولا نفعًا ولا ضرًا.
{أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ} فيها تقرير يقتضي الردّ على من عبد غير الله، وإنما عبّر عنهم "بمن" لأن في المعبودات من دون الله من يعقل ومن لا يعقل، وتنتهي بالتأكيد على أن نعم الله تعالى لا تُعد ولا تُحصى، {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} وقد ذكر لنا سبحانه من أول السورة إلى هنا، أنواعًا مختلفة من مخلوقاته تعالى على وجه الاستدلال بها على وحدانيته، ولذلك أعقبها بقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}، وفيها أيضًا تعداد لنعمه على خلقه، ولذلك أعقبها بقوله: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، ثم أعقبها بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}: أي يغفر لكم التقصير في شكر نعمه.
المغزى العام للآيات: دعوة للتفكر والتدبر والتأمل في خلق الله ونعمه المتعددة، وآلائه وآياته، والإشارة إلى أن الله تعالى جعل من الكون سبلًا وعلامات لهداية الإنسان في حياته. والتأكيد على أن الله هو الخالق الوحيد المستحق للعبادة، وليس هناك من يمكن أن يقارن به. واختتمت الآيات ببيان أهمية شكر الله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى. {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، حيث تحتوي على معانٍ عميقة وحكمة بالغة. وتوجهنا نحو التأمل في نعم الله غير المتناهية، كما تدعونا للحرص على شكر الله باستمرار على هذه النعم، لأننا مهما حاولنا، لن نستطيع إحصاءها أو تقديرها. وهذا يعود إلى أن نعم الله على الإنسان كثيرة جدًا ومتعددة الأشكال والأنواع، بحيث لا يمكن حصرها أو الإحاطة بها بالكامل. فكل ما لدينا من صحة، ورزق، وأمان، وإيمان، وعلم، وعمل وحتى النعم التي لا ندركها ولا نلقي لها بالًا، أو التي لا نستطيع استيعابها، كلها من فضل الله ورحمته، وكلمة "نِعْمَةَ" في الآية جاءت بالإفراد، لكنها تشير إلى المجموع؛ بمعنى أن النعمة الواحدة تتضمن العديد من النعم الجزئية التي لا يمكن حصرها. مثال على ذلك: نعمة البصر، تحتوي على عدة نعم مثل القدرة على رؤية الألوان، التمييز بين الضوء والظلام، الرؤية عن بعد وعن قرب، وغيرها من الأمور العجيبة التي تجعل الدارسين لها والمتعمقين في دقائقها يقفون مبهورين أمام عظمة الخالق -عز وجل- وهذه في نعمة واحدة فقط.
والخلاصة: هذا التفكر يقوي الإنسان على الإيمان بالله، والاعتراف بفضل الله عليه، كما أن إدراك الإنسان لعجزه عن إحصاء نعم الله يجعله أكثر تواضعًا واستسلامًا لله، ويعزز لديه مشاعر الامتنان والاعتراف بفضل الله عليه. بدلًا من الشعور بالغرور أو النكران. وعندما يدرك المؤمن حجم النعم التي لا يستطيع حتى إحصائها، فإنه يستشعر أهمية الشكر الدائم لله في كل حال. ومن تمام نعم الله تعالى على عباده ما ختمت به هذه الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، إذ إن فيها طمأنة وحضًا وتذكيرًا وتأكيدًا بأن الله -جل جلاله- رغم كثرة النعم، وقلة شكرها، وعجزنا عن أداء حقها، فهو سبحانه يغفر لنا تقصيرنا في شكره، ويشملنا برحمته التي وسعت كل شيء. وقد جعل من أسمائه الحسنى "الشكور" {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}، أي: أنه يكافئ المؤمنين بأجرهم وزيادة من فضله، فهو سبحانه يقدر الأعمال الصالحة، ويضاعف الأجر للمؤمنين، رغم أن كل ما يقومون به من عبادات هو بفضله ورحمته. والحمد لله ربّ العالمين.
أضف تعليقك...