• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الثلاثاء 2025-08-12

الآيات (49-55) سورة طه، اللقاء (07)

تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 352
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات (49-55) سورة طه، اللقاء (07)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}.

‎لا زالت الآيات تتحدث عن منهج الدعوة إلى الله والمجادلة مع الذين كفروا وطغوا، فبعد أن دعا موسى عليه الصلاة والسلام فرعون وقومه بالقول اللّين كما أمره ربّه عز وجل، بدأ فرعون هنا بمحاولة الالتفاف على الحق الذي جاءه، {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ فأجابه: بما معناه أن ربّنا هو الذي خلقك، وخلق كل شيء في هذه الحياة الدنيا، ثم لم يترك خلقه دون أن يهديهم لما يصلح أمر أنفسهم ومعاشهم، وهذه إجابة في غاية الحكمة والتوفيق، فمن يريد معرفة من هو الله تعالى فليسأل نفسه، من الذي خلقني وخلق كل شيء فقدره تقديرًا؟ -يدبر الأمر، وينزل الغيث، وينبت الزرع، وييسر الأرزاق، من الذي يسير هذا الكون ويضبط حركة الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والنجوم وغيرها من المخلوقات- إنه الله الواحد الأحد، الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰأي سوّى خلق كلّ دابة ثم هداها لما يُصلحها وعلَّمها إياه، ولم يجعل الناس في خلق البهائم -مثلًا- ولا خلق البهائم في خلق الناس، ولكن خلق كل شيء فقدّره تقديرًا، وهدى خلقه بالفطرة إلى التوصل لما أعطاهم، وعلمهم كيف ينتفعون به، وعلى ذلك فإن نعمة الخلق والإيجاد من أجلّ النعم الدالة على قدرة الله وعظمته، وتوحده بالخلق، وكان المفترض أن يرد عليه فرعون بقوله: "بل أنا ربّك" ولكنه .. يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب، لذلك لم يجرؤ على ذلك، بل لجأ إلى سؤال في غاية الخبث، سأله عن الذين ماتوا على الكفر من القرون الأولى، ليسمع من موسى عليه الصلاة والسلام ما يقدح في آباء الناس وأجدادهم ما يسوءهم فيهم، فينقلبون عليه، ويرفضون اتباعه، {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ}، يحتمل أن يكون سؤاله عن القرون الأولى محاجة ومناقضة لموسى: أي ما بالها لم تبعث كما يزعم موسى؟ أو ما بالها لم تكن على دين موسى، أو ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب كما زعم موسى، في قوله: {أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} ويحتمل أن يكون قال ذلك قطعًا للكلام الأول، ورَوَغانًا عنه وحيرة لما رأى أنه مغلوب بالحجة، إلا أن موسى أدرك خبث سؤاله، فأجابه بالحكمة، بقوله: {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىأي: قد أحصى أعمالهم من خير وشر، وكتبه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وأحاط به علمًا وخبرًا، فلا يضل عن شيء منها، ولا ينسى ما علمه منها، ثم واصل عليه الصلاة والسلام كلامه قاطعًا عليه الاسترسال في مكره وخداعه، معددًا بعض نعم الله عز وجل على خلقه، والتي لا يقدر عليها إلا هو سبحانه، قائلًا: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} مَهْدًا: بفتح الميم وسكون الهاء، أي كالمهد الذي يمهد للصبي، أو مِهادًا: بكسر الميم، بمعنى الممهُود مثل الفراش واللّباس، ومعنى القراءتين واحد، أي جعل الأرض ممهودة مسهلة للسّير والجلوس والاضطجاع، ليتسنى لكم الانتفاع بخيراتها، {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًاوالمراد بالسبل: كلّ طريق يمكن السير فيه، أي جعل لكم في داخلها طرقًا تنتقلون فيها من مكان إلى مكان، ومن بلدة إلى أخرى، لقضاء مصالحكم، {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}، والماء عنصر أساسي في حياة كل شيء على وجه الأرض، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}، وبه تحيا الأرض، وتخرج ثمارها، وانظر .. كيف وصف موسى ربه تعالى بأوصاف لا يمكن لفرعون ولا لغيره من الخلائق أن يتصفوا بها، لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولو قال له هو القادر أو الرازق وشبه ذلك لأمكن فرعون أن يغالطه ويدعي ذلك لنفسه. ثم قال موسى -تبليغًا عن الله- بقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰوالشّتيت: المشتّت، أي المبعّد. وأريد به هنا التباعد في الصفات من الشكل واللّون والطعم، وبعضها صالح للإنسان وبعضها صالح للحيوان، أي أصنافًا مختلفة من النبات، {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْالمعنى أنها تصلح لأن تؤكل، وتأكل منها أنعامكم، وعبر عن ذلك بصيغة الأمر؛ لأنه سبحانه أذن في ذلك، فهي كالأمر به {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰأي علامات فيها العظة والتذكرة لأصحاب العقول السليمة.

{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} الضمير للأرض يريد أنه خلق آدم عليه الصلاة والسلام من تراب، {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} يعني بالدفن عند الموت، {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} يعني عند البعث، وفيه إيماء إلى حقيقة إخراج الأجساد من الأرض، يوم القيامة، بإعادة خلقها كما خلقت في المرّة الأولى، قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}، وكل ذلك بتقدير العزيز الحكيم، وليس لمخلوق سواه شيء منها، {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}، وفي الآيات التحذير من كفر النعم، والأمر بوجوب شكرها، بامتثال أمر المنعم، واجتناب نهيه، واستعمالها في طاعته ومرضاته سبحانه وتعالى.

أضف تعليقك...

  • 48711 زيارات اليوم

  • 110858030 إجمالي المشاهدات

  • 3249695 إجمالي الزوار