• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأحد 2026-07-05

النفس الإنسانية والكرب

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 143
  • التعليقات 0
  • Twitter
النفس الإنسانية والكرب
  1. icon

    بقلم / علي محمد قاسم

  2. icon

    جميع مقالات الكاتب

  3. icon

    توعوي

لا شيءَ أقسى على الإنسان من أن يواجه كرباً من الكروب وحيداً، بلا ظهر ولا سند، إن الكرب في هذه الحالة، يستحيل إلى كروب بعضها فوق بعض، لكل منها أنيابٌ ومخالبُ تنهش نفس المكروب.

وفي المقابل ليس هناك كربٌ يعظم ويشتد على الإنسان، إن واجهه ومعه من يقف بجانبه ويسانده ويخفف عنه ويواسيه، بل هناك حالة أقسى وأشد من الحالة الأولى، حينما يكون مَن حول المكروب، كرباً آخر عليه، فبدل أن يلقى منهم العون والغوث، يجد الأذى والضر، وما يسوء النفس ويجرح الشعور، مما لا يفعله الكربُ نفسُه، من أنفس غير سوية ومريضة، يتخبطها الاضطراب، فقدت الإحساس بغيرها، فانعدمت بها مشاعر الإحسان والبر، فهي لا تعرف الحق، ولا تعرف مراعاة الواجب.

أثار هذه الخواطر الحزينة، خبرٌ جاء عن الإمام الشافعي، رحمه الله، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: ما رأيت أحداً لقي من السقم ما لقي الشافعي، فدخلت عليه يوماً فقال لي: يا أبا موسى، اقرأ عليّ ما بعد العشرين والمئة، من آل عمران: (وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم)، إلى آخر السورة، وأخف القراءة ولا تثقل، أراد ذلك ليتأسى بما لقي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وأصحابه يوم أحد، فقرأت عليه، فلما أردت القيام قال: "لا تغفل عني، فإني مكروب".

انظر ماذا قال هذا الإمام العظيم، والعَلَم الشامخ، فإن القول يكتسب معانٍ أخرى، من منزلة قائله وقيمته، لكن النفس الإنسانية واحدة، أمام كروب الدنيا، تقف عندها عاجزة بضعفها المركب في طبيعتها، مهما يكن مكانها من الفضل والجاه.

من الذي يتذكر أخاه ولا يغفل عنه وهو مكروب؟

إن الطبيعة البشرية اللئيمة، التي توافق الطبيعة الحيوانية، أو تنحط دونها، تجعل صاحبها يفر فراراً ويتوارى عند كرب أخيه تواري الأفاعي، وهو يقول: نفسي، نفسي، أو وهو شامت ولائم.

ما لي لا أبوح لك يا قارئي، وأنت صديقي الذي تفهمني وتشعر بي، ببعض كربي، الذي أنهك قلبي، وفي البوح راحة، وهي في الحقيقة كروب كثيرة، يُنسي بعضها بعضاً، ولكن مما يمكنني أن أخبرك به، أنني ذات يوم، أُصبت بظلم وأذى، لا يد لي فيه، ولا أستحقه بذنب ارتكبته، أو خطأ فعلته، بل الأمر مما يدخل في الحق الواجب الذي لي، غير أنه لا يبقى مع اللؤم والاستضعاف والعنصرية حق ولا ذمة.

المهم أنني من بعد ما حدث لي، رجعت إلى البيت، وأنا منحني الظهر، يكاد الحزن والكرب يفجران صدري، فإذا بي أجد البيت مليئاً من أهله بالنكد والزعيق، بدل أن يكون ظلاً آوي إليه.

سبحانك يا إلهي، إنه كرب على كرب، ويا لله مما تحمله النفس الإنسانية من كروب مركبة.

ثم ما وجدت ملجأ ولا ظلاً أفر إليه إلا حمى الله، فقابلت وجهه بالصلاة، وبكيت دموعاً سخينة غزيرة، أرجو من الله أن يثبتها لي في الميزان، يوم تنصب موازين الأعمال، إني أحسبها يا إلهي، أرجى أعمالي عندك، يوم ألقاك، فحقق ظني واجعلها كذلك، وأنت وحدك العليم، بما سكبت العيون من دموع.

إن الدموع التي طهرت روحي، بين يدي الله، وأراحتها وغسلت عنها آلامها وآثامها، هي عذاب من جحيم وسعير على من أسالها من الظالمين.

وإن الدنيا التي تبكي عيني، لهي دنيا لئيمة ملعونة، لها مني موطئ النعل.

من الحقائق الإنسانية التي أدركتها بتجربتي الخاصة، أن في الدنيا بشراً كروبهم من ظروفهم، وبشراً آخرين كروبهم من طباعهم وأخلاقهم، وهؤلاء بهم تخلق الفتنة في الأرض.

تلك النجوى الإنسانية التي تنزف دماً وألماً، من قلب رجل عظيم هو الشافعي: "لا تغفل عني، فإني مكروب"، أُخبرك أنني توجهت بها في لحظات الضعف، إلى الله، فاستغفرت الله فوراً، لأن الله سبحانه لا يغفل ولا ينسى، أحداً من خلقه أبداً، وحاشا لله ذلك.

نصيحتي لكل مكروب، التي أحسبها سر الحياة: إذا تعبت النفس، فحرك الجسد وأجهده، وإذا تعب الجسد، فسلّ النفس ورفّها.

اللهم إنك بحالنا عليم، وبأنفسنا رحيم.

 

 

أضف تعليقك...

 
  • 253512 زيارات اليوم

  • 103055327 إجمالي المشاهدات

  • 3230148 إجمالي الزوار