-
بقلم / علي محمد قاسم
-
جميع مقالات الكاتب
-
اجتماعي
النسيان أحيانا لا يكون سهلا، بل يُعجز الإنسان ويصعب عليه، ولكن من شأن اختلاف الليل والنهار أن يُنسي، وكل ما هوّنه الإنسان يهون، والحقيقة أن الأحزان ينبغي أن يهوّن بعضها بعضا على نحو ما وصف القائل، عليه وعلى كل محزون رحمة الله:
كم تجرَّعت من غيظٍ ومن حَزَنٍ إذا تجدد حزني هوَّن الماضي
الأحزان تتجدد لكل إنسان، ويكفي ما يجد منها في الحاضر، عن حمل القديم الذي كان في الماضي، فما الداعي لمراكمة الأحزان حتى تصيرَ جبالا من المتاعب والآلام كامنة بأعماق النفس، يهاب النسيانُ الاقترابَ منها، وينظر إليها ببصر كليل، فأنّى له هدمها ونسفها، وكان الخير تركها ليسحقَها دوران رحى الأيام.
لماذا نذكر الماضي؟ ونحن لا نعيش فيه، بل قد اندرج في تراب الفناء، لماذا نذكر الماضي؟! ونحن لو عدنا إليه ما كان باستطاعتنا أن نفعل غير ما فعلنا، إذ كانت لنا عقول تنقصها يومئذٍ المعارف والخبرات والتجارب، وما قد حدث كان يجب أن يحدث لكي نتعلمَ منه، ويصنعَ حاضرنا، ويكونَ من مكاسبنا النفسية، ولكل شيء ثمن، ونحن لا نتعلم إلا بقدر ما نتعب ونبذل من طاقاتنا وأعصابنا وقلوبنا وأرواحنا وما تملك يدنا، والحقيقة أنه إذا كان الوحي يعلّم الأنبياء، فإن القدر يعلم سائر البشر بحوادثه وخطوبه، ويوقظهم من غفلتهم، وهذه هي حكمة الابتلاء.
الذي أعتقده في مسألة النسيان، أن الشيطان له عمل نافذ فيها، بحيث ينسينا ما يجب أن نتذكره، بدليل قول نبي الله موسى عليه السلام، في سورة الكهف: (وما أنسانيه إلا الشيطانُ أن أذكره).
وفي المقابل يذكرنا بما يجب أن ننساه، وهذا رأي أعتقد أنه لا يحتاج إلى دليل، فحال الإنسان أقوى دليل يصدقه، ولكن هناك مسألة أعتقد أن لها مكاناً من الصحة، وهي أننا ننسى الماضي، عندما يكون حاضرنا جميلاً، يسقينا بيده السلوان كالترياق، والأمر كلُّه بيد الله سبحانه، حاضرُه وماضيه، وما خاب من توكل على الله، ولجأ إلى حماه، وصبر على أقداره.
إليك هذه الفائدةَ المستقاة من القرآن، النسيان في القرآن من معانيه الإعراض، هذا ما نستنتجه من قول الله عز وجل:(قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) طه:126. النسيان في الآية معناه الإعراض، وليس بالطبع معناه عدم تذكر الشيء.
من هنا نستخلص حكمة بالغة، هي إذا أردت نسيان شيءٍ، فعليك بالإعراض عنه، الإعراض ولا حلَّ غيرُه يكفيك ما أزعجك وأحزنك.
الواقع أن الإنسان يحتاج إلى النسيان احتياجاً شديداً كضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية، لا غنى له عنها، وما أنكدَ نفسَه إن لم يطو الماضي، ويعرضْ عنه، ويلتفت إلى ما يستقبله، مبعداً قلبه عما لا يُجديه ولا ينفعه، ولكي يتحققَ الإعراض عما يريد نسيانه، عليه بإشغال نفسه بما ينفعه من عمل صالح، يكسبه قوةً وطاقة وفضلاً وأجراً.
من وصايا رسول الله، عليه الصلاة والسلام: "المؤمن القوي أحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت، كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان".
أضف تعليقك...