-
بقلم / ريان بن أحمد قرنبيش
-
جميع مقالات الكاتب
-
توجيهي
عشتُ خارج مدينتي الحبيبة ينبُعَ منذ عام 2011 في رحلة بحثٍ عن فرصٍ أفضل، ولا زلتُ أعيش خارجها. وطوال هذه المدة، كنتُ دائمًا "الينبعاوي" الوحيد في المكان، مما جعلني مَحطَّ فضولٍ وتساؤلاتٍ مستمرة حول ما يُميز ينبُعَ، وعن التوقيت الأمثل لزيارتها.
كان جوابي جاهزًا بلا تردد: ينبع تحتضن تظاهرة شعبية سنوية تستمر قرابة الأسبوع، تبدأ قبل عيد الأضحى بيومين أو نحوهما، وتنتهي بانتهاء الإجازة الرسمية، وخلال هذه التظاهرة، تنتقل بيوت ينبُعَ بـ "بشكاتها" للعيش في مخيماتٍ على شاطئ "شرم ينبع" مُوضحًا للسائل دائمًا الفرق بين الكورنيش والشرم.
في تلك الليالي، تصبح شوارع ينبُعَ شبه خاوية، إذ تنتقل مظاهر الحياة كافة من المباني السكنية في الأحياء المنظمة إلى الخيام المنصوبة على الشواطئ بتنسيق متبادل بين الأهالي؛ فلكل عائلةٍ مخيمٌ مفتوح يعجُّ بأهله ويُرحّب بزواره من المخيمات المجاورة، حيث يتم إعداد الغداء والعشاء محلياً ومباشرة في المخيم نفسه بطريقة تقليدية وبأيدي القاطنين فيه، وتكون الضيافة والقهوة والشاي حاضرة طوال اليوم على الجمر.
تمتلئ تلك الجلسات بمسامرات رائعة، وقد تولد "كسرة" ذات معنى ووصف بديع في لحظتها، وقد تسمع صدى جلسات طرب ساحرة على أنغام "السمسمية" من مخيم مجاور أو آخر في الشاطئ المقابل تُختتم بها الليلة، قبل أن يصلي الجميع الفجر فيستريح البعض ويتأمل الآخر الأمواج وقت الشروق، بينما ينطلق الكثير من الفتية إلى منطقة "العيقة" ناعمة الرمال مبسوطة الساحل، حتى لكأنه يستدعي الراغبين للسباحة بترحاب. وتستمر الدورة الحياتية على هذا المنوال؛ بين من ينام في المخيم، ومن يعود إلى بيته ليرتاح ثم يعود بطاقة متجددة. أما خارج الخيام، فالبسطات، والحناطير، والدبابات الرباعية، وسيارات الآيسكريم لا تتوقف عن الحركة، وتصنع خلفية صوتية في كامل المحيط؛ مكونة من أغنية شعبية قادمة من حنطور أو أكثر يشارك فيها الخيل بالإيقاع عبر حوافره، وأصوات محركات الدبابات والسيارات وأبواقها تملأ المكان من قبل وصولها حيث يترقبها الأطفال بتوق شديد.
هذا ما كنتُ أرويه لكل سائل بزهوٍ وغبطة، وهي بهجة سلبتها التنظيمات المستحدثة منذ سنوات بدلاً من تقنينها وتنظيمها بطريقة جاذبة؛ فالتنظيم اليوم لا يمكن أن يوصف بأنه يشجع السياحة، وجولة واحدة على الشواطئ توضح أن تلك التنظيمات أحالت الشواطئ الشاسعة إلى أطلالٍ مقارنة بما كانت تعج به في هذه المواسم من حركة وحياة لا تهدأ، وبدلاً من أن تتحول تظاهرة الفرح العفوية تلك إلى وجهة سياحية جاذبة تُدرّ دخلاً يدعم حضور المدينة على الخارطة السياحية، شهدنا تركيزاً على صناعة مواسم لا تقدم شيئاً مختلفاً، رغم أننا نملك في أيدينا موسماً سياحياً يستطيع أن يكون قبلة للزائرين تتميز بها ينبع عن باقي المدن، وتقام حوله الكثير من الفعاليات التي تحتاج في إنجاحها إلى مشاركة فاعلة من الجهات المختصة، بهدف العمل على نجاح الفكرة دون التوقف عند وضع التنظيمات فحسب.
مقال رائع وجميل جدا
اوجزت واجدت
شعور جميل لكل محب لينبع الحبيبة
HATEM N QARNBISH 2026-06-02
1
أضف تعليقك...