-
بقلم / د. عبدالحكيم بن محمد المغربي
-
جميع مقالات الكاتب
-
توعوي
في لحظةٍ تتساوى فيها القصور مع الأكواخ، والملوك مع العابرين، يقف الإنسان أمام حقيقة لا مهرب منها: أن المصير ليس امتدادًا للحياة، بل بداية لحياة أخرى تُحسم فيها كل الحسابات.
يُذكّرنا القرآن الكريم بهذا التصنيف الحاسم للبشر، حين يجعلهم ثلاثة أصناف كبرى تتمايز في الدنيا وتنكشف حقيقتها في الآخرة. قال تعالى:
﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: 7–11)
ثلاث مسارات، وثلاث نهايات، لكن القرار الأول يُصنع هنا، في هذه الحياة القصيرة التي يظنها الإنسان طويلة.
فالسابقون هم الصفوة الذين سبقوا إلى الإيمان واليقين والعمل الصالح، أولئك الذين أعدّ الله لهم نعيمًا لا يُقاس بمعايير الدنيا، في جنات تتفتح فيها كل صور الكرامة والرضوان.
وأصحاب اليمين هم أهل الطمأنينة، الذين سلمت قلوبهم وغلب خيرهم شرهم، فكان لهم من رحمة الله نصيب عظيم، وعيش لا يشوبه نقص ولا حرمان، كما وصفه القرآن في مشاهد من النعيم الممدود.
أما أصحاب الشمال، فهنا تقف الكلمات أمام مشهدٍ شديد الوقع، حيث ينكشف المصير لمن أعرضوا وتكبروا وغفلوا، في عذابٍ لا يُقاس بميزان الدنيا ولا يُدرك بحواسها.
لكن الحقيقة التي لا تتغير، أن كل هذه المراتب لا تُبنى على المال ولا الجاه ولا السلطة. فحين يُغلق باب الدنيا ويُفتح باب القبر، تتساقط كل العناوين، ويبقى الإنسان وحده أمام عمله فقط.
وقد قال النبي ﷺ: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد» (رواه البخاري ومسلم)، إنها ليست موعظة عابرة، بل قانون وجودي ثابت: أن الإنسان يختار مصيره في كل يوم، بكل قرار، وكل نية، وكل موقف.
ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه أحد غيرك: إلى أي طريق تمضي؟ وأي سجل تُكتب فيه نهايتك؟ فالاختيار اليوم... قبل أن يُغلق باب الاختيار غدًا.
أضف تعليقك...