-
بقلم / د. عبدالحكيم بن محمد المغربي
-
جميع مقالات الكاتب
-
اجتماعي
منذ أيامٍ قليلة، نشرتُ مقالًا بعنوان: "الدين لله والوطن للجميع"، كان محوره قاعدة قديمة متجددة طالما استُخدمت لإضعاف الأمم: "فرّق تسد". وهي ليست مجرد شعار عابر، بل سنّة جارية في تاريخ الصراعات؛ حيث تُهزم الأمم من داخلها قبل أن تُغلب من خارجها.
وفي هذا السياق، يبرز قول شيخنا الجليل محمد الغزالي رحمه الله:
"إنما تنجح الأمم بالوحدة، وتفشل بالتنازع، وإنما نؤتى من قبل أنفسنا قبل أن نؤتى من قبل عدونا."
وهو قول يلخص حقيقة مُرّة؛ إذ لم تكن الفرقة يومًا مجرد عرض، بل كانت دائمًا الباب الذي يدخل منه كل طامع. فحين تفرّقت القلوب سقطت المهابة، وحين تباعدت الصفوف تجرأ الخصوم.
لقد تركنا الحبل المتين، وتمسكنا بخيوط واهية من التصنيفات والانقسامات؛ فهذا سني، وذاك شيعي، وهذا عربي، وذاك أعجمي، وهذا ينتمي إلى تيار، وذاك إلى آخر، حتى تحولت هذه المسميات من دوائر تنوعٍ مشروع إلى جدران فصلٍ وصراع.
وقد ألهمت كلمات الشيخ محمد الغزالي كثيرًا من الطروحات التي صوّرت هذا الواقع تصويرًا بليغًا؛ إذ شُبّهت هذه التفرقات بزنازين معنوية صُنعت من المصطلحات، وسُجن الناس داخلها بقضبان من الوهم:
سني وشيعي... انقسام،
عربي وأعجمي... عصبية،
إسلامي وعلماني... تصنيف،
إخواني وسلفي... تشرذم.
وهي مسميات—مهما اختلفت عناوينها—لم تزد واقع الأمة إلا ضعفًا؛ إذ حوّلت التنوع إلى صراع، والانتماء إلى خصومة، والاجتهاد إلى سبب للفرقة بدل أن يكون بابًا للسعة.
وقد حذر الشيخ محمد الغزالي من هذا المسار بقوله:
"إن الإسلام ضاع بين أبناء لا يحسنون حمله، وأعداء لا يتركون محاربته."
فانشغلنا بصراعات الفروع، وغابت عنا أصول الاجتماع، حتى تاهت البوصلة، وصدق فينا قول النبي ﷺ:
"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها."
وفي المقابل، ينظر المتأمل إلى واقع الآخرين، فيجد أنهم—على اختلافاتهم—يجتمعون عند المصالح الكبرى، ويجعلون وحدة الصف أصلًا لا يُمس، بينما جعلنا نحن الخلاف أصلًا، والاتحاد استثناءً.
والمؤلم أن هذه التفرقات، على كثرتها، لم تغيّر نظرة الآخرين إلينا؛ فما زلنا في أعينهم كيانًا واحدًا ضعيفًا، يُتعامل معه بمنطق الوصاية لا الندية.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا، كما يقول الشيخ محمد الغزالي:
"إن ليل الظلم مهما طال، فلا بد من بزوغ فجر الحق، ولكن الفجر لا يبزغ للنائمين."
وقد جاء التحذير الإلهي واضحًا:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
إن وحدة الأمة ليست خيارًا ثانويًا، بل شرط بقاء. والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يرفع إلا من يدرك سننه.
فهل نُحسن قراءة الدرس قبل أن يُعاد علينا بثمنٍ أثقل؟
أضف تعليقك...