-
بقلم / علي محمد قاسم
-
جميع مقالات الكاتب
-
اجتماعي
وقفت متأملًا عند قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا}. فقلت سبحانك يا إلهي، لا شك أنك كذلك تمسك الإنسان أن يزولَ، وهو أولى من السماوات والأرض بهذا الإمساك، لضعفه واحتياجه إليك، وإمساكُك للإنسان أمان له من أن يضيعَ أو يضلَّ في رحلة الدنيا التي يقطع مسافاتها سفرًا إليك لملاقاتك، ويواجه خلالها ابتلاءات شتى، ومصاعب ومتاعب، ولكنه بإيمانه بك يلجأ إليك، مما آلمه وأخافه، ويفر إليك كلما قست ظروفه، وتعقدت أموره، فيتذكر أن لهذا العالم بأرضه وسمائه، ربًا يحوطه برحمته وحفظه وعنايته، وإلا لزال وتلاشى وكان هباءً تذروه الرياح.
هذه المعاني أوحتها إلى خاطري، آية واحدة فقط من كتاب الله، والقرآن كل آياته وحي ونور، وهي أيضًا رحمة وشفاء لما في الصدور، كما شاءه كذلك الله، ونزّله تنزيلًا مباركًا مقدسًا، ليكونَ للعالمين مصدرَ رحمة وهداية ورشاد.
لو فتح القرآنَ قارئٌ بصورة عفوية، لوقع ذهنه لا بدَّ على آيةٍ تناجي نفسه، وتلامس قلبه، وتأخذ بيده إلى شاطئ سكينة، وواحة اطمئنان، فتنجيه من هدير الموج وصخبه، ومن عجاج الرياح وعصفها، حتى كأن القرآنَ يحدثه عن مشكلات حياته وأزماتها، وعما أرهقه من حوادثها. فقط جرّب، وافتح القرآن، على ذلك النحو، وستجد مصداق ما قلته.
إن الدنيا تستلزم الإنسانَ الذي يخوض غمراتها نهارًا وليلًا، أن يقف عند نفسه وقفات، وهذه الوقفات الازمة، لا غنى لعقله فيها من مرشد أمينٍ وناصح، يكون له بمنزلة ضياء الشمس، الذي يرى به حقائق الأشياء، ويتأملها حتى يعرفَ المسار، وماذا يفعل، وكيف يتصرف ويعمل، ومن قبل ذلك كيف يكون له فكرٌ سليم، والفكر السليم هو قِوام العقل والسلوك، ذلك المرشد هو وحي السماء، ومن هنا ندرك أيُّ فضل وأيُّ نعمة، منحها الله وجاد بها على خلقه، بأن أنزل لهم القرآن.
عودًا إلى عنوان المقال فأقول، اللهم أمسكنا إذا زلت بنا العقول والأقدام، وأمسكنا في ساعات الألم والضيق، أمسكنا كلما قلَّ صبرنا وشكرنا وضعفت أنفسنا بما تلاقيه من مكاره وخطوب، فتولاها البؤس والقسوة.
أمسكنا اللهم فلا تغرَّنا الشياطين، وتُزيلَ خطواتنا عن مدارج الهدى، وسبل الخير، فنهوي في الزلل، أمسكنا كلما نازعت قلوبَنا رغبة جامحة، أو شهوة عاتية، فلا نعرفَ الذل والهوان والافتقار إلى غيرك.
إن السموات والأرض خلقٌ عظيم من مخلوقاتك يشهدان لك بالوحدانية وبجلال عظمتك وقدرتك، ولكنهما لو حملتا ما يحمله القلب الإنساني، لزلزلت أركانهما، وتضعضعت نواحيهما، وإنه وقد ناء بأحماله، ليضرعُ إليك بالدعاء والرجاء، أن تُمسِكه رحمتُك، فيثبتَ ولا يزولَ، وفي ذلك حياة له وسبيل نجاة وفلاح.
أضف تعليقك...