-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
ديني
إذا كان اسم "العزيز" يملأ القلب بالقوة والكرامة، فإن اسم "الجبار" يملؤه بالهيبة والرجاء معًا؛ فالله هو الجبار الذي لا يخرج شيء عن سلطانه، ولا يمتنع عليه أمر، وهو في الوقت نفسه الذي يجبر كسر المنكسرين، ويغني فقر المحتاجين، ويقوي ضعف العاجزين، ويبدل أحزان عباده أفراحًا إذا لجؤوا إليه. فهو سبحانه جبارٌ في عظمته، وجبارٌ في رحمته، وجبارٌ في إصلاح ما انكسر من القلوب.
حين يتأمل الإنسان هذا الاسم، يدرك أن كل كسر في حياته يمكن أن يجبره الله. فقد ينكسر القلب بفقد حبيب، أو بخيانة قريب، أو بمرض، أو بفشل، أو بظلم، أو بذنب أثقل النفس، لكن الجبار قادر على أن يحول ذلك كله إلى قوة، وأن يجعل من موضع الألم بابًا للنضج، ومن موطن الضعف بدايةً للقرب منه. وما أعظمها من نعمة أن يكون جابر القلوب هو رب العالمين.
واسم "الجبار" يعلّم المؤمن ألا ييأس مهما بلغت شدة البلاء، لأن الذي أنزل البلاء هو القادر على رفعه، والذي أذن بالكسر هو القادر على جبره. فإذا ضاقت بك الدنيا، فلا تظن أن النهاية قد اقتربت، بل تذكر أن للجبار ألطافًا خفية، وأنه قد يؤخر الجبر لحكمة، لكنه لا ينسى عباده، ولا يخذل من صدق في اللجوء إليه.
ومن عاش مع اسم "الجبار"، رقَّ قلبه للمكسورين، وسعى إلى جبر خواطرهم، وإعانة المحتاجين، ومواساة المحزونين، وإدخال السرور على الضعفاء. لأنه يعلم أن من أحب الأعمال إلى الله أن يكون العبد سببًا في جبر كسر أخيه، وأن من ذاق جبر الله له، أحب أن يكون مفتاحًا للخير والرحمة بين الناس.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، يظهر أثر هذا الاسم حين ترى إنسانًا أثقلته الهموم، أو طالبًا أرهقه الفشل، أو يتيمًا فقد حنانه، أو فقيرًا ضاقت به السبل، فلا تمر بهم مرورًا عابرًا، بل ابحث عن كلمة تواسي، أو دعوة صادقة، أو يد تعين، أو موقف يجبر خاطرًا. فكم من كلمة أحيت نفسًا، وكم من موقف صغير كان سببًا في جبر قلب لا يعلمه إلا الله.
أما الدعاء بهذا الاسم، فهو دعاء كل مكسور وكل محتاج. فقل: يا جبار، اجبر كسري، وارفع ضعفي، وأصلح قلبي، وأبدل همي فرجًا، وحزني سرورًا، وفقري غنىً بك، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. واستشعر وأنت تدعو أنك تناجي ربًا إذا أراد جبر قلب، هيأ له من أقداره ما يعيده أقوى، وأقرب، وأصفى مما كان.
فاجعل اسم "الجبار" حاضرًا في قلبك كلما ألمَّ بك كسر أو أصابك ضعف، ولا تيأس من رحمة ربك مهما اشتد البلاء. فمن عرف الجبار، أيقن أن القلوب المكسورة ليست مهملة عند الله، وأن كل ألم يصبر عليه صاحبه، قد يكون بداية جبرٍ عظيم لا يخطر له على بال، لأن الله إذا جبر، أدهش عبده بجميل عطائه، وعظيم فضله.
أضف تعليقك...