-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
الآية (42) تتناول أحداث معركة بدر، فرغم أن التفوق الظاهري كان للمشركين في العدد والعدة، فإن النصر تحقق للمسلمين بفضل الله ورحمته، حيث تبيّن للمسلمين حقيقة أن النصر ليس مرتبطًا بالقوة الظاهرة بل بمشيئة الله تعالى - وحكمته وقدرته سبحانه - في تحقيق مراده في خلقه.
﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾: العدوة: شفير الوادي، وقرئ بالضم والكسر وهما لغتان، والدنيا القريبة من المدينة، والقصوى البعيدة ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني العير التي كان فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق: أي مال عن الاتِّجاه العادي، هرباً من المسلمين، وكان جمع المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ أي لو تواعدتم مع قريش ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم، أو لو تواعدتم على مكان وزمان المعركة لما تم اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله - وتدبيره ولطفه بكم ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾ أي يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة الحجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له، وقيل: ليهلك من يكفر ويحيى من يؤمن.
والآية تشير إلى أن النصر في معركة بدر كان بقدر الله تعالى، رغم أن الفوارق الظاهرة بين الجانبين كانت كبيرة، لكن الله أراد أن يحق الحق بحكمته في إهلاك الباطل وإظهار الدين الإسلامي على الدين كله ولو كره الكافرون.
ومن مغازي الآية: هو أن المؤمن يجب أن يتوكل على الله في جميع أموره، حتى وإن كانت الظواهر لا تصب في مصلحته، لأن الله قادر على تغيير كل شيء لحكمة يعلمها.
كما أن الآية (43) تشير إلى أن الله سبحانه وتعالى قد قدّر أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قلة عدد المشركين لكيلا يتأثر المسلمون نفسيا عند مواجهة المشركين على أرض المعركة، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى العدو في المنام كثيرًا، لربما شعر المسلمون بالقلق أو التردد، ولكن الله تعالى - سلمهم وقوّى عزائمهم، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ الله﴾ الآية: كان رسول الله ﷺ قد رأى الكفار في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم ﴿لَّفَشِلْتُمْ﴾ أي جبنتم عن اللقاء، وقد كان هذا تدبيرًا من الله الحكيم الذي يعلم ما في الصدور.
ومن مغازي الآية الكريمة: هو أن الله تعالى - يدبر الأمور وفقًا لحكمته ووفقًا لما يعين عباده في أوقات الشدة. كما أن الله يعلم ما في القلوب ويدرك ما يحتاجه المؤمنون للثبات والنجاح، وبالتالي يجب على المؤمن أن يثق في تدبير الله مهما كانت الظروف.
ثم جاءت الآية (44) لتأكيد التدبير الإلهي الحكيم - الذي جعل المسلمين يرون العدو قليلًا، وجعل المشركين يرون المسلمين قليلين في أعينهم، مما كان له أثر كبير في سير المعركة.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الآية معناها أن الله أظهر كل طائفة قليلة في عين الأخرى ليقع التجاسر على القتال ﴿رِيحُكُمْ﴾ أي قوتكم ونشاطكم، وذلك استعارة، والله تعالى - فعل ذلك لتهيئة النفوس قبل المعركة، فقد جعل المسلمين يرون قلة أعدائهم ليزدادوا قوة وإصرارًا، وجعل أعداءهم يرون قلة المسلمين ليحملهم ذلك على الاستهانة بهم، والغرور الذي دفعهم إلى مهلكهم. فكانت هذه رؤية ربانية لحسم المعركة.
ومن مغازي الآية: هو أن الله سبحانه وتعالى - يوجه الأمور كما يشاء لتحقيق مآربه، حتى وإن بدت الظروف غير مهيأة لذلك. فيجب على المؤمن أن يثق في تدبير الله وحكمته في كل شيء، وأن يتوكل عليه في مواجهة الصعاب، لأن الله تبارك وتعالى - قادر على تغيير كل شيء وفقًا لمشيئته.
الخلاصة الجامعة لمغزى الآيات:
تكشف هذه الآيات عن تدبير الله العجيب في غزوة بدر، حين رتّب المواجهة بين المسلمين وعدوّهم بطريقة لا تخطر ببال، فكانوا على مواقع متقابلة دون موعد سابق، وجعل الله المشهد يبدو أبسط مما هو عليه، فلو أن البشر تواعدوا على هذا اللقاء، لاختلفوا، ولكن الله رتّب اللقاء بدقّة، لأجل غاية عظيمة.
وفي كل معركة للحق، الله هو من يرتّب المسرح، ويهيئ النفوس، ويقدّر النتائج، وليس على المؤمن إلا أن يُسلّم الأمر لله، ويتوكل، ويثبت، لأن العبرة ليست بكثرة العدو ولا قلّته، بل بتدبير الله وسلامة الصدر وثبات القلب.
والنصر لا يصنعه العدد، بل تصنعه العناية، ولا يُهلك إلا من كفر على بيّنة، ولا ينجو إلا من آمن عن بصيرة.
أضف تعليقك...