-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
يقول الله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}.
تغرس هذه الآية في القلب معنىً عظيمًا، وهو أن الخير الذي يفعله الإنسان لا يضيع أبدًا، بل هو في الحقيقة ادخارٌ لنفسه قبل أن يكون نفعًا لغيره. فما يقدمه المؤمن من صلاة، أو صدقة، أو كلمة طيبة، أو إحسان إلى الناس، أو صبر على الأذى، أو بذل للوقت والجهد في الخير، إنما يرسله أمامه ليجده يومًا عند الله كاملًا غير منقوص.
وفي الحياة قد ينسى الناس المعروف، وقد لا يُقدَّر الجهد، وقد لا يرى الإنسان ثمرة عمله مباشرة، فيظن أن بعض ما بذله قد ذهب سدى. لكن هذه الآية تطمئن القلب بأن ميزان الله لا يغفل شيئًا، وأن كل خير يقدمه العبد محفوظ عند ربه، ينتظره في الوقت الذي يكون أحوج ما يكون إليه.
ومن أعظم مغازي الآية أنها تحول نظرة المؤمن إلى الأعمال الصالحة. فهو لا ينظر إليها على أنها خسارة من وقته أو ماله أو جهده، بل يراها استثمارًا أبديًا. فما يُعطى لله لا يضيع، وما يُبذل ابتغاء مرضاته يعود على صاحبه أضعافًا مضاعفة من الأجر والخير والبركة.
كما تعلمنا الآية المبادرة إلى الخير وعدم تأجيله. فالأعمار قصيرة، والفرص سريعة الانقضاء، والموفق من اغتنم أيامه قبل أن تصبح ذكريات. فكم من كلمة طيبة رفعت صاحبها درجات، وكم من صدقة يسيرة عظمت عند الله، وكم من عمل خفي لا يراه الناس كان سببًا في نجاة صاحبه وسعادته.
وفي واقع الحياة، يحتاج المؤمن إلى أن يسأل نفسه دائمًا: ماذا أقدمتُ لنفسي اليوم؟ ما الخير الذي وضعته في رصيدي عند الله؟ فالعاقل لا ينشغل بما جمعه للدنيا أكثر من انشغاله بما قدمه للآخرة.
إنها دعوة إلى أن نجعل لكل يوم نصيبًا من الخير، مهما كان يسيرًا. فالله لا ينظر إلى حجم العمل فحسب، بل إلى صدقه وإخلاصه.
فطوبى لمن عمر أيامه بالطاعات، وملأ صحيفته بالإحسان، وأيقن أن كل خير يقدمه اليوم سيجده غدًا عند الله خيرًا وأعظم أجرًا؛ يوم تتلاشى المكاسب الزائلة، ويبقى ما كان لله وحده.
أضف تعليقك...