• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الثلاثاء 2026-08-04

مع سورة الإخلاص

ِ{إنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}

  • تسجيل اعجاب 2
  • المشاهدات 426
  • التعليقات 0
  • Twitter
 مع سورة الإخلاص
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

حين تُقارن نفسك بالآخرين... تعلَّم معنى الإخلاص.

بعد أن احتمى القلب في المعوّذتين من الشرّ الداخلي والخارجي، تأتي سورة قصيرة، لكنها تبني أساسًا أعظم من مجرد الحماية؛ إنها تبني الهوية.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

في زمن تتعدد فيه الانتماءات، وتتنافس فيه الأصوات، يحتاج الإنسان إلى مركزٍ ثابت يعود إليه. وهذه السورة تعطيك ذلك المركز: "هو الله أحد". أحدٌ في ذاته، أحدٌ في صفاته، أحدٌ في استحقاقه للعبادة. ليست وحدانية رقمية، بل وحدانية كمال؛ لا شبيه له، ولا ندّ، ولا مثيل.

من الناحية النفسية، التوحيد يمنح الإنسان استقرارًا داخليًا. حين يكون مرجعك واحدًا، يقلّ التشتت. كثير من القلق المعاصر سببه تعدد الآلهة الصغيرة في حياة الإنسان: المال، الصورة الاجتماعية، رضا الناس، الشهرة، المقارنة المستمرة. كلما تعددت مصادر التعلّق، تضاعف القلق. أما حين يكون التعلّق بالله وحده، تستقر المعادلة.

{اللَّهُ الصَّمَدُ}

الصمد هو المقصود في الحاجات، الذي تصمد إليه الخلائق. أي أن كل الطرق تنتهي إليه، وكل الحاجات تُرفع إليه. في عالم يعتمد على الشبكات والعلاقات والوساطات، تعلّمك هذه الآية أن هناك بابًا لا يحتاج إلى موعد، ولا يُغلق، ولا يتبدل مزاجه.

الصمدية تعني أيضًا الغنى المطلق. نحن نفتقر في كل لحظة: إلى دعم، إلى فهم، إلى حب، إلى أمان. أما هو فغنيٌّ عن كل شيء. هذه الحقيقة تعيد ترتيب الكرامة الإنسانية؛ فأنت تطلب من غنيٍّ مطلق، لا من بشرٍ محدود.

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}

قطعٌ جذريٌّ لكل تصور مادي عن الإله. لا يخضع لقوانين التكاثر، ولا يُحاط بدورة زمن. هذه الآية تحرّر العقيدة من التشبيه، وتحرّر العقل من التصورات البشرية المحدودة. الإله هنا ليس امتدادًا لعائلة، ولا جزءًا من نسب، بل هو خالق كل نسب.

{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}

لا مكافئ له، لا شبيه، لا نظير. وهذه الخاتمة تحمل أثرًا تربويًا عميقًا: إذا لم يكن لله كفء، فلا ينبغي أن يكون في قلبك شيء يُساويه به. لا تجعل خوفك من بشرٍ يعادل خوفك من الله، ولا تجعل رجاءك في إنسانٍ يساوي رجاءك فيه.

سورة الإخلاص ليست مجرد تعريف بالله، بل إعادة بناء للداخل. إنها تحرّر الإنسان من عبودية المقارنات، ومن ضغط الصورة الاجتماعية، ومن التعلق المرضي بالناس. من عرف أن الله أحد، لم يتشظّ قلبه بين الآراء. ومن عرف أن الله صمد، لم يذلّ لحاجةٍ عند غيره.

ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن؛ لأنها تختصر جوهر الرسالة: توحيدٌ خالص، وهويةٌ واضحة، وقلبٌ متجهٌ إلى جهةٍ واحدة.

في عالمٍ يُرهقك بالمقارنات، ويجعلك تقيس نفسك بغيرك، عد إلى هذه السورة. اقرأها بوعي، لا بعادة.

ستكتشف أن قيمتك ليست فيما يملكه الآخرون، بل في علاقتك بالأحد الصمد.

أضف تعليقك...

  • 65615 زيارات اليوم

  • 110874906 إجمالي المشاهدات

  • 3249723 إجمالي الزوار