الثلاثاء 2026-08-04
الآيات (50-52) سورة التوبة، اللقاء (18)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}.
{إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ}: الحسنة هنا النصر والغنيمة. {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي قد حذرنا وتأهبنا من قبل. وهذه الآية تشير إلى قول بعض المنافقين والمتخاذلين عندما يرون المؤمنين في أزمة أو خطر، فيبررون موقفهم قائلين: "قد أخذنا أمرنا من قبل" أي: لقد احتطنا لأنفسنا مسبقًا ولم نُعرّض أنفسنا لهذا الموقف. {وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ} تعني: ينصرفون عن الحق أو يرفضون الدعوة وهم مسرورون بذلك، كأنهم يرونه نصرًا أو مكسبًا، مع أن فرحهم في غير موضعه. وهذا تعبير عن تبرير الجبناء لمواقفهم، حيث يظنون أنهم كانوا أذكى بتجنب المخاطر، لكن الحقيقة أنهم تهربوا من نصرة الحق، وعصوا الله ورسوله، وسيواجهون العاقبة في النهاية.
{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} أي ما قدر وقضى، وهذا رد على المنافقين. فالمنافقون يتسمون بالحقد، والشماتة، والجبن، والخداع ، وعدم الولاء الحقيقي للمؤمنين. وهذا يوجب الحذر منهم وعدم التأثر بمواقفهم السلبية.
الآية (50) توضح طبيعة سلوك المنافقين تجاه النبي ﷺ والمؤمنين، ويمكن تلخيص هذه السلوكيات في عدة نقاط:
1- الفرح بمصيبة المؤمنين: كانوا إذا أصابت النبي ﷺ وأصحابه مصيبة، سواء كانت هزيمة، أو تعبا، أو بلاء، فإنهم يُظهرون السرور، بدلًا من التعاطف. وهذا يكشف عن قلوب مليئة بالحقد والكراهية.
2- الحزن عند نجاح المؤمنين: كانوا إذا أصاب النبي ﷺ وأصحابه خيرٌ كالنصر أو الرزق أو التمكين، فإنهم يحزنون لأن ذلك يخالف أهواءهم، مما يدل على نفاقهم وكراهيتهم للحق وأهله.
3- التفاخر بالاحتياط المزعوم: عند وقوع مصيبة، يقولون: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ}، أي أنهم يزعمون أنهم كانوا أذكى وأحسن تدبيرًا لأنهم لم ينضموا للمؤمنين، مما يعكس جبنهم وخداعهم.
4- الانصراف بفرح وشماتة: بعد تبرير مواقفهم، يبتعدون عن المؤمنين وهم سعداء، معتقدين أنهم نجوا من الخطر، غير مدركين أن هذا السلوك هو سبب خذلانهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة.
وهذه الآية الكريمة: تكشف عن طبيعة المنافقين الذين يفرحون بمصائب المؤمنين ويحزنون لنجاحهم.
ويمكننا تطبيق مغازيها في حياتنا بعدة طرق منها:
1- التعامل بحذر مع الحاسدين والمنافقين: وينبغي إدراك أن هناك من قد لا يتمنى لنا الخير، فلا نؤمنهم على أمورنا، ونتحلى بالحكمة في كشف أسرارنا أمامهم.
2- الثبات عند المحن وعدم التأثر بشماتة الآخرين: فإذا ما واجهنا مصاعب، فلا نلتفت إلى فرح الشامتين، بل نركز على الصبر والتوكل على الله، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}.
3- الفرح بنعم الله دون التفاخر والاستفزاز: عند تحقيق النجاح، ينبغي أن نفرح بنعمة الله دون استعراض مبالغ فيه قد يثير حسد الآخرين، كما قال تعالى على لسان يعقوب ليوسف عليهما السلام: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.
4- الابتعاد عن الشماتة بغيرنا: كما كرهنا أن يُشمت بنا أحد، ينبغي ألا نفرح بمصائب غيرنا، فقد ورد في الحديث: "لا تُظهرِ الشَّماتةَ لأَخيكَ فيرحَمهُ اللهُ ويبتليكَ". (أخرجه الترمذي).
5- الاعتماد على الله في كل الأحوال: سواء أصابتنا نعمة أو محنة، فإن الأمر كله بيد الله، فلا نخشى مكر الناس، بل نؤمن أن تدبير الله هو الخير لنا دائمًا. {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}.
الخلاصة:
الآية تدعونا إلى الحذر من المنافقين الشامتين، والصبر عند المحن، والاعتدال عند النعم، وتجنب الوقوع في الشماتة بالآخرين، مع التوكل الدائم على الله في كل حال. كما أن الآية (51) تدعو إلى الإيمان بالقضاء والقدر، والطمأنينة في مواجهة المصائب، والتوكل الصادق على الله، واليقين بأنه هو الولي والحافظ. وتغرس في قلب المؤمن عقيدة التوكل على الله والثقة في قضائه، {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}:
ويمكننا أن نستنبط من الآية عدة مغاز منها:
1- الإيمان بالقضاء والقدر: فلا يقع شيء إلا بإرادة الله، وكل ما يصيبنا هو مقدر لنا، سواء كان خيرًا أو ابتلاءً.
2- الطمأنينة والثبات عند الشدائد: المؤمن لا يخاف من الأحداث لأنها بيد الله، فيطمئن قلبه ولا يجزع عند المصائب.
3- التوكل الحقيقي على الله: التوكل ليس مجرد قول، بل يقين بأن الله هو المتصرف في الأمور، فيسعى العبد بالأسباب ويعتمد على الله في النتائج.
4- الله عز وجل هو المولى والنصير: لا مولى لنا سوى الله، وهو الذي يدبر أمورنا ويرعانا، فمن كان الله وليه فلا يخشى أحدًا.
5- وجوب التوكل على الله: الآية تأمر المؤمنين بأن يجعلوا توكلهم على الله وحده، مع تقوى الله والأخذ بالأسباب، لا على البشر أو الأمور المادية. {ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}.
ثم جاءت الآية (52) لتؤكد لنا بأن المؤمن في كل حال منتصر، إما بالظفر أو بالشهادة، بينما المنافقون مهددون بعذاب من الله أو هزيمة بيد المؤمنين. وهذا يعلمنا الثقة بالله، والثبات أمام تهديدات المنافقين، والتعامل معهم بحزم وكشف نفاقهم دون خوف أو تردد.
{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}: أي هل تنتظرون بنا إلا إحدى أمرين كلاهما حسن: إما الظفر والنصر، وإما الشهادة في سبيل الله {بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} المصائب وما ينزل من السماء أو عذاب الآخرة {أَوْ بِأَيْدِينَا} يعني الانتقام منكم أيها الظالمون {فَتَرَبَّصُوا} تهديد بحلول الوعيد.
ويستفاد من الآية عدة مغاز منها:
1- المؤمنون لا يخشون في الله أحدًا ولا يخافون لومة لائم، لأنهم بين أمرين كلاهما حسن؛ إما النصر في الدنيا أو الشهادة والجنة.
2- المنافقون يراهنون على ضعف المؤمنين، لكنهم في الحقيقة هم من ينتظرون الهلاك إما بعقاب إلهي مباشر أو بأيدي المؤمنين عندما ينصرهم الله تعالى عليهم.
3- يجب على المؤمن أن يبقى صامدًا ولا يخاف من تهديدات الأعداء، بل يكون على يقين بأن العاقبة له.
4- أسلوب المواجهة في الآية يحمل تحديًا للمنافقين، ويبين أن المؤمنين ليسوا في موضع خوف بل في موضع قوة. وتدعو إلى عدم التأثر بتثبيطهم وإحباطهم، بل التعامل معهم بثقة ويقين بأن النصر مع المؤمنين وعدم الرضوخ لتهديداتهم أو مكائدهم، بل مواجهتهم بالحزم والثبات. وإظهار القوة واليقين في مواقف المؤمنين، حتى لا يكون لهم تأثير سلبي على المجتمع المؤمن.
أضف تعليقك...