السبت 2026-06-06
الآيات 15 - 17 سورة يونس، اللقاء، (09)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)
﴿قُل شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي ما تلوته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده وما هو من عندي ﴿وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي ولا أعلمكم به ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ﴾ أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ البراءة من الافتراء على الله، وبيان لبراءته ﷺ مما نسبوه إليه من الكذب، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ﴾ بيان لظلمهم في تكذيبهم لآيات القرآن الكريم.
والآية (15) تُظهر موقف المشركين الرافضين للقرآن، وطلبهم تغييره، مما يعكس عنادهم، وهي تؤكد على قدسية الوحي وثباته، مع إبراز التزام النبي ﷺ بتبليغ رسالة الله كما هي، دون تغيير أو تبديل، وأن الحق يجب أن يُتبع، لا أن يُغير لأهواء الناس، وطلب المشركين تغيير القرآن كان بدافع رفضهم للحقائق التي تخالف مصالحهم، وأكدت أن النبي ﷺ لا يتصرف إلا وفق الوحي، وأن هذا الطلب يعكس عنادهم وعدم استجابتهم للدعوة رغم وضوح الدلائل، وأن النبي ﷺ لا يملك حق تغيير الوحي، وهذا الرد يبين عظمة القرآن وثباته.
كما أن الآية (16) تثبت أن نزول القرآن بمشيئة الله، وتُظهر صدق النبي ﷺ من خلال الاحتجاج بسيرته قبل البعثة، كما تدعو المشركين للتفكر في هذا الدليل الواضح، مما يجعلهم أمام مسؤولية الاعتراف بالحق فيسلمون، أو الاستمرار في العناد فيهلكون.
والآية تؤكد أن النبي ﷺ لم يكن يتلو قرآنًا من قبل أن يبعث، وهذا دليل على أن ما جاء به هو وحي إلهي، لا ادعاء فيه. وهذه حجة قاطعة على المشركين، لأن النبي ﷺ قد عاش بينهم قبل البعثة معروفًا بالصدق والأمانة، ودعت الآية المشركين للتدبر في حال النبي ﷺ قبل الرسالة، ليعلموا أنه لا ينطق إلا بوحي الله.
والآية (17) تُبرز عظم جرم الكذب على الله عز وجل - أو تكذيب آياته، وتؤكد أن المجرمين الذين يرتكبون هذه الجرائم الكبرى لن يفلحوا، وهذه دعوة للتصديق والتزام الإيمان بالحقائق الإلهية، وتذكير بعواقب الظلم، وبيان أن الافتراء على الله يشمل كل من ينسب إلى الله تعالى - قولًا أو حكمًا لم يقله، مثل دعوى المشركين بأن الله أذن بعبادة الأصنام، والآية تشمل كل من ادعى النبوة كذبًا أو أنكر الوحي الإلهي؛ فالتكذيب بآيات الله ظلم للنفس ودليل على العناد والجهل، والظالم لن ينجو من العذاب في الدنيا ولا في الآخرة.
من مغازي الآيات:
١- ثبات الحق: فالقرآن كلام الله المحكم الذي لا يُبدَّل ولا يُغيَّر، مهما كانت اعتراضات المعاندين.
٢- مسؤولية النبي ﷺ: فالنبي يتبع الوحي ولا يجامل في الحق؛ لأن مسؤوليته تبليغ ما أوحاه الله تعالى - بصدق وأمانة.
٣- التحذير من اتباع الأهواء: رفض تغيير القرآن دليل على أن الحق لا يتبع أهواء الناس، بل هو ثابت ومنزه عن النقص.
٤- تأكيد أن الوحي من عند الله: فالقرآن ليس كلام النبي ﷺ، بل هو من كلام الله عز وجل - كما لا يمكن أن يُؤتى بمثله.
٥- الاحتجاج بحياة النبي قبل البعثة: سيرة النبي ﷺ قبل النبوة شاهدة على أمانته وصدقه، وهو ما يعزز مصداقيته ومصداقية القرآن الكريم.
٦- دعوة للتفكر: على المكذّبين استخدام عقولهم للتأمل في الأدلة الواضحة بدلًا من اتباع أهوائهم.
٧- خطورة الكذب على الله: الافتراء على الله جريمة عظيمة لأنه يؤدي إلى تضليل الناس عن الحق.
٨- التكذيب بآيات الله سبب للهلاك، وإنكار دلائل عظمة الله وقدرته أو آياته ومعجزاته هو من أعظم صور الظلم.
٩- الجزاء مرتبط بالعمل: فالمجرمون الذين يتصفون بالكذب أو التكذيب لن يفلحوا، مما يؤكد أهمية الالتزام بالحق، (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ).
أضف تعليقك...