• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأربعاء 2026-06-03

الآيات (09-10) سورة يونس، اللقاء (06)

تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 381
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات (09-10) سورة يونس، اللقاء (06)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

الآيتان تشيران إلى وعد الله تعالى لعباده المؤمنين بالجنة جزاءً لإيمانهم وأعمالهم الصالحة. وتصف الجنة بالسلام الدائم والتسبيح المستمر لله، مع ختام دائم بالحمد له على فضله. 

والمغزى: هو تعزيز الإيمان والعمل الصالح للوصول إلى النعيم الأبدي الذي يُختتم بالحمد لله في كل حال. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: أي الذين جمعوا بين الإيمان القلبي والعمل الصالح الظاهري، فحققوا الإيمان الصادق بالعمل الصالح. {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ}: أي يسددهم بسبب إيمانهم إلى الاستقامة أو يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، ويهديهم إلى الطريق المستقيم ويثبّتهم عليه، وهدايتهم مستمدة من إيمانهم الصادق الذي يقودهم إلى الفوز في الدنيا والآخرة. {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}: هذا وصف لجزاء المؤمنين في الآخرة، حيث تكون الجنات التي يسكنونها مليئة بالأنهار الجارية التي تدل على الخلود في النعيم، والراحة والسعادة الأبدية.

{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمّ}: أي دعاؤهم وذكرهم في الجنة. أي أن أهل الجنة يسبّحون الله عز وجل دائمًا تقديسًا وتنزيهًا له عن كل نقص. والدعاء والتسبيح في الجنة ليس تكليفًا، بل تعبيرًا عن حبهم وتوددهم لربّهم سبحانه وتعالى وفرحهم وسعادتهم بأن جعلهم من أهل الجنة. {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}: التحية التي يتبادلونها في الجنة هي "سلام"، وهي تحية توحي بالطمأنينة والسرور. {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: ختام ذكرهم هو شكر الله وحمده على نعمته العظمى، وهي دخول الجنة، وتمام نعيمه عليهم. فالإيمان والعمل الصالح هما الطريق إلى الجنة: وهما السبب الرئيسي في هداية الله لعباده، ومن ثم دخولهم الجنة. والجنة هي دار السلام والذكر: حيث المكان مليء بالسلام، سواءً بالتحية أو بطمأنينة القلوب، وبدوام ذكر الله والحمد حتى وهم في أعلى مراتب النعيم، يظل المؤمنون شاكرين وحامدين لله سبحانه وتعالى لإدراكهم بأن كل تلك النعم إنما هي من فضله تبارك وتعالى، فهو الذي يهدي المؤمنين بإيمانهم في الدنيا والآخرة، كما أن ذكره في الجنة هو من تمام النعيم الروحي، والسلام فيها يعبر عن الفرح الدائم والطمأنينة الكاملة.

وقفات تأمّلية:

قوله تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}:

أولًا- السلام هو حالة من السكينة والانسجام، تبدأ من داخل النفس وتنعكس على المجتمع والعالم. وتحقيق السلام يتطلب العدل، والتسامح، والتعاون، وهو أساس الاستقرار الإنساني. والسلام كلمة تحمل في طياتها دلالات عميقة وشاملة، تشمل عدة أبعاد معنوية وروحية واجتماعية:

١- السلام لغةً: مشتق من الجذر الثلاثي "سَلَمَ"، ويعني الطمأنينة، والأمان، والنجاة من الخوف أو الضرر. والسلام يُقصد به السكينة والهدوء، سواءً على المستوى الفردي أو الجماعي.

٢- السلام اصطلاحًا: يشير إلى حالة من الاستقرار والانسجام، سواء في العلاقات بين الأفراد أو المجتمعات. ويُستخدم لوصف غياب النزاعات والصراعات، وحلول العدالة والتفاهم.

٣- السلام في الإسلام: اسم من أسماء الله الحسنى: الله هو "السلام"، أي مصدر الأمان والسكينة للمخلوقات، وهو المنزّه عن كل نقص.

٤- السلام تحية الإسلام: فالمسلمون يحيّون بعضهم بتحية "السلام عليكم"، تعبيرًا عن الدعاء بطلب الأمان والسلامة لهم من كل سوء.

٥- السلام جوهر الدين: فالإسلام ذاته مشتق من "السلام"، وهو دين يدعو إلى السلم الداخلي والخارجي، ويرسخ قيم الرحمة والتسامح.

٦- أبعاد السلام: السلام الداخلي: حالة من الطمأنينة والاستقرار النفسي، تنبع من الإيمان بالله، القناعة، والتصالح مع الذات. والسلام الاجتماعي: يتحقق عندما تسود المحبة والتفاهم بين أفراد المجتمع، مع غياب الظلم والعداوة. والسلام العالمي: يعبر عن حالة انسجام بين الأمم، خالية من الحروب والنزاعات، وقائمة على العدل والتعاون.

٧- السلام أساس الحياة الكريمة: وبدون السلام، لا يمكن للإنسان أن يعيش بأمان أو يحقق طموحاته. والمجتمعات التي تنعم بالسلام تحقق تقدمًا اقتصاديًّا وثقافيًّا أسرع. والأديان السماوية كافة تدعو إلى السلام كقيمة عليا لتحقيق الخير والسعادة.

ثانيًا- ذكر الله تعالى: الذين يُلهمون الذكر كما يُلهمون التنفس هم أولئك الذين وصلوا إلى أعلى مراتب الإيمان واليقين بالله، حيث أصبح ذكر الله جزءًا من حياتهم اليومية وطبيعتهم الفطرية، تمامًا كحاجة الإنسان للتنفس. الذين جعلوا حب الله وذكره محور حياتهم، حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانهم. هذه المرتبة يمكن الوصول إليها بالمداومة على الذكر الصادق، والتفكر والتعلق بالله تعالى ويمكن وصفهم بما يلي:

١- يعيشون حالة من القرب الروحي الدائم مع الله، فلا يغيب ذكره عن قلوبهم وألسنتهم.

٢- يذكرون الله حبًّا وتعظيمًا، وليس لمجرد عادة أو رياء، بل استشعارًا لعظمته وفضله.

٣- يتذكرون الله عز وجل في كل أحوالهم: قيامهم، قعودهم، وعند كل أمر من أمور حياتهم.

٤- ذكر الله بالنسبة لهم ليس عبادة فحسب، بل مصدر حياة وراحة وسكينة.

٥- النبي صلى الله عليه وسلم: كان لسانه رطبًا بذكر الله في جميع أحواله، كما ورد عن عائشة رضي الله عنها: "كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَذكُرُ اللهَ على كُلِّ أحيانِه". ومن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين من يذكرون الله في أوقات الرخاء والشدة، ويستشعرون قربه في كل لحظة. فالذكر يغذي الروح ويزكي النفس، مثلما يغذي التنفس الجسد. {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ويصل المؤمن إلى هذه الدرجة بالمداومة على الذكر والتدريب المستمر عليه حتى يصبح عادة. وبالتفكر في آيات الله سبحانه حيث يجعل الذكر أعمق وأقرب للقلب. ومحبة الله وتعظيمه: تفتح أبواب الذكر المستمر. وصحبة الصالحين: تعين الإنسان على ذكر الله وتحببه وتقربه منه جل وعلا.

فائدة:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: الآية تبشر أهل الإيمان والعمل الصالح بأن الله يهديهم في الدنيا والآخرة بسبب إيمانهم، ويجزيهم في الآخرة بجنات تجري من تحتها الأنهار. الذين جمعوا بين صدق الإيمان وصدق العمل، لا يضيعهم الله، بل يهدي قلوبهم للثبات في الدنيا، ويهديهم إلى الجنة في الآخرة. وقوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يعني: أخلصوا أعمالهم لله، ووافقوا بها شرعه، فقاموا بالفرائض، واجتنبوا المحرمات، وأحسنوا في معاملاتهم، وأصلحوا في الأرض كما أمرهم الله. فالصالحات تشمل: الصلاة، والزكاة، وبر الوالدين، والصدق، والعدل، والأمانة، وكل عمل يحبه الله ويرضاه. فمن جمع بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح، نال الهداية والنعيم، لأن الإيمان وحده لا يكفي إن لم يُصدّقه عمل.

أضف تعليقك...

  • 227180 زيارات اليوم

  • 87875253 إجمالي المشاهدات

  • 3186437 إجمالي الزوار