-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)
الآية (5) تبيّن عظمة الله تعالى - وحكمته في خلق الشمس والقمر ونظامهما الدقيق الذي يُساعد البشر في حياتهم. وهي دعوة للتفكر في هذه النعم واستخدامها كدليل على وحدانية الله وإتقانه في خلق الكون.
والآية (6) تدعو المؤمنين إلى التفكر في تعاقب الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض، لأنها دلائل واضحة على قدرة الله وعظمته، والتذكير بأن التقوى شرط أساسي لفهم هذه الدلائل والعمل بها في حياتنا.
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا)، وصف لشيء من أفعال الله وقدرته وحكمته - والضياء أعظم من النور - وتشير الآية إلى تفرُّد الله في الخلق والتدبير، حيث جعل سبحانه - الشمس مصدرًا للضوء والحرارة، فتبثُّ الطاقة التي تنير الأرض وتُحيي النبات والكائنات، وجعل القمر عاكسًا للنور، فيُضيء الليل بقدر معين يناسب احتياجات الحياة. والتفريق بين "ضياء" للشمس و"نور" للقمر يُظهر اختلاف طبيعة كل منهما: فالضياء: ضوء ذاتي قوي، كالشمس. والنور: ضوء مستمد خافت، كالقمر.
(وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ): الضمير للقمر والمعنى قدر سيره في منازل، ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل، وهي: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الخراتان، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزبانيان، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرع المقدم، الفرع المؤجر، بطن الحوت، فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة، ثم يستتر ثم يطلع هلالا ، وتُستخدم هذه المنازل لتحديد التقويم القمري، وحساب الفصول، وأوقات الزراعة والصيد، وأحيانا في معرفة الطقس، وتساعد البشر في تتبع الزمن ومعرفة عدد الأيام والشهور.
(تَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)، ﴿وَالْحِسَابَ﴾ يعني حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي. وهذا التعليم مرتبط بتنظيم شؤون العباد من عبادات مثل الصيام والحج، والمعاملات مثل الديون والعقود.
(مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ): أي ما خلقه عبثاً، والإشارة بذلك إلى ما تقدم من المخلوقات، وفي خلق هذا الكون بهذا التنظيم الدقيق حكمة عظيمة، منها تيسير حياة الإنسان وإقامة الحجة عليه، وتوجيهه للإيمان بوحدانية الله - وقدرته.
(يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ): الله سبحانه - يوضح هذه الأدلة الكونية لمن يتفكر ويتدبر، مما يجعلها سببًا للهداية والإيمان، وفي قوله: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) إشارة إلى أن التفكر في خلق الله - وآياته يحتاج إلى العلم والبصيرة، فلا يعقلها إلا العالمون بحقائق الأمور، وليس الجاهلون الغافلون عن ذكر ربّهم – (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ).
وقوله تعالى: (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): يشير إلى تعاقبهما وتفاوت طولهما على مدار السنة. وهذا الاختلاف يُبرز قدرة الله تعالى - في ضبط حركة الشمس والأرض بدقة، مما يتيح للبشر الاستفادة من الليل للراحة والنهار للعمل. كما يشمل الاختلاف هنا أيضًا التفاوت في درجات الضوء والحرارة بين الليل والنهار، مما يُظهر تنوع نعم الله.
(وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): يُشير إلى ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وكواكب، وما في الأرض من بحار وجبال وأشجار وغيرها من المخلوقات، وهذا التنوع يدل على عظمة الخالق وإتقانه في تدبير شؤون الكون. كما أن ذكر (ما خلق) يشمل الكائنات المرئية وغير المرئية التي تدل على وجود الله وقدرته.
(لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ): الآيات هنا بمعنى الدلائل الواضحة التي تُرشد العباد إلى توحيد الله – وعظمته، (لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ): التأكيد على ضرورة التقوى، حيث إن الذي يتقي الله عز وجل - هو الذي يتدبر هذه الآيات ويستفيد منها في زيادة إيمانه، والإشارة إلى التقوى هنا تدل على أن التفكر في خلق الله - مرتبط بالإيمان القلبي والسعي للابتعاد عن المعاصي، وهذه الآية تدعو للتأمل في مخلوقات الله - التي تدل على قدرته وعظمته، وتؤكد أن التفكر من أعظم العبادات. وفيها إشارة إلى أن اختلاف الليل والنهار وما فيهما من تغيرات دليل على أن الكون يسير بتقدير محكم من الله- وبأن الله تعالى - وحده المستحق للعبادة، لأنها دلائل واضحة على توحيده، (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).
من مغازي الآيات:
١- الآية تُبرز النظام الدقيق في حركة الشمس والقمر، مما يدل على قدرة الله المطلقة. والغرض من هذا النظام هو تيسير حياة البشر، وتنظيم أوقاتهم، وإقامة الأدلة على وحدانية الله. والله تعالى- يدعو عباده إلى التدبر في هذه الآيات الكونية ليزدادوا إيمانًا وليعرفوا حقائق الحياة الدنيا، ويؤمنوا بالحياة الآخرة ويعملوا لها.
٢- الشمس والقمر علامات محسوسة لمعرفة الزمن، وهذا من تمام نعمته على عباده وتدبيره لأمورهم. حيث ينظم بهما الله تعالى - حياة البشر ويُقيم عليهم الحجة في الإيمان به، والآية دليل على تفرد الله بالألوهية؛ لأنه المدبر لشؤون الكون بهذا الإحكام.
٣- تعاقب الليل والنهار، وما خلق الله - في السماوات والأرض، كلها دلائل على قدرة الله وحكمته. والآية تحث المؤمنين على التفكر في هذه الآيات الكونية والتكوينية واستخدامها كوسيلة لزيادة الإيمان والخشوع.
٤- بيان أن التقوى شرط للاستفادة، فالذين يتقون الله تبارك وتعالى- هم من يدركون هذه الآيات بأنوار بصائرهم وبقلوبهم الواعية، فتكون وسيلة لإرشادهم إلى الطريق المستقيم.
أضف تعليقك...