الثلاثاء 2026-05-12
الآيات (87-88) سورة هود، اللقاء (31)
تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.
الآيتان تجسدان التباين بين موقف القوم المتهكم والمعاند، وموقف النبي شعيب عليه السلام الحكيم والمخلص. وفي الآية الأولى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ} الآية، الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر إليها مجاز كقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}، والمعنى أصلاتك تجعلك تأمرنا أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، -وأن نفعل عطف على أن نترك- {إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد عن نفسك. فقوم شعيب عليه السلام اعترضوا على دعوته للتوحيد ونبذ عبادة الأصنام، ولتصحيح معاملاتهم المالية. واستخدموا صيغة تهكمية حينما سألوه متهكمين: "أصلاتك تأمرك"، أي هل عبادتك ودينك يدفعانك إلى أن تأمرنا بترك تقاليدنا وعبادة آبائنا؟ وأيضًا هل تمنعنا من التصرف في أموالنا كما نشاء؟ وفي ختام قولهم، وصفوه بسخرية بـ "الحليم الرشيد"، رغم أنهما صفتان إيجابيتان، إلا أن المقصد هنا كان التهكم والاستهزاء بدعوته. فالآية تبرز عناد القوم واستهزاءهم بنبيهم ورفضهم لتغيير عاداتهم الخاطئة، رغم دعوته الحكيمة والمخلصة. وتكشف عن عناد القوم وتمسكهم بعاداتهم الباطلة -عبادة الآباء وسوء التصرف في الأموال- وسوء أدبهم باستخدامهم التهكم والسخرية كوسيلة لمواجهة دعوة الحق.
وفي الآية الأخرى {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}: يخاطب شعيب عليه السلام قومه موضحًا أنه على يقين تام من ربه، مدعومًا بدليل واضح على وحدانيته وربوبيته سبحانه وتعالى {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا}: أي سالمًا من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم، وجواب أرأيتم محذوف يدل عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته. ويُشير إلى الرزق الطيب المبارك الذي منَّ الله به عليه. والرزق الحسن: يعبر عن كل أنواع الخير التي أنعم الله تعالى بها على شعيب سواء كانت مادية أو معنوية، مثل نبوته ومكانته بين قومه إضافة إلى الأموال والذرية. ولا يقتصر على المادة فقط، بل يشمل كل نعمة تنفع العبد وتكون خالية من الشبهة. ويُظهر شعيب عليه السلام في هذه الآية امتنانه لله عز وجل على نعمه، مما يُعلمنا ضرورة شكر الله على رزقه، سواء كان ظاهرًا أو باطنًا.
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}: يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مُولٍ عنه، وخالفني عنه: إذا ولى هو عنه وأنت قاصده. حيث يُثبت شعيب عليه السلام لقومه صدقه في دعوته. فهو لا ينهى قومه عن شيء ثم يفعله، بل يلتزم بما يدعوهم إليه ويترك ما ينهى عنه. فالقائد الصادق هو الذي يكون قدوة في أقواله وأفعاله، فلا يناقض قوله فعله، وهذا درس مهم في الإخلاص والنزاهة في الدعوة والعمل.
{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: يؤكد شعيب عليه السلام أن النجاح والتوفيق في كل أمر يعتمد كليًا على الله تعالى فهو المصدر الحقيقي الوحيد للعون والهداية. كما يُبرز اعتماده الكامل على الله بالتوكل عليه في كل شؤونه، مع الرجوع إليه بالتوبة والإخلاص. لأن التوفيق لا يتحقق إلا بالاعتماد على الله والرجوع إليه، مما يُعلمنا أهمية التوكل الصادق مع العمل الخالص المقرون بالإيمان، لأن كل خير إنما هو بفضل الله ورحمته، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
الخلاصة:
المغزى يتمثل في صراع الحق مع الباطل، حيث تُظهر قصة شعيب عليه السلام مع قومه نموذج القائد الصادق الذي يسعى للإصلاح بتوكل كامل على الله، بينما يبرز القوم مثالًا للعناد والتمسك بالباطل مع السخرية من الحق. وأخيرًا لا يتحقق ويثبت إلا الحق، {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} أما الباطل فمهما بدا قويًا فهو ضعيف وزائل بطبيعته، ولا يصمد أمام الحق. {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.
فائدة:
أولًا. الإصلاح هو ردّ الفساد إلى الصلاح، سواء في العقيدة، أو الأخلاق، أو المعاملات، أو العلاقات بين الناس.
ومن أمثلة الإصلاح:
١- في العقيدة: دعوة الناس لتوحيد الله وترك الشرك.
٢- في الأخلاق: النصح بترك الكذب والظلم والغش، ونشر العدل والصدق والأمانة.
٣- في المجتمع: الإصلاح بين المتخاصمين، ورفع الظلم عن الضعفاء.
٤- في الاقتصاد: النهي عن الربا والتطفيف والغش، والدعوة للعدل في البيع والشراء.
فالإصلاح يعني أن تسعى لترميم ما انكسر، وتوجيه الناس للخير، بحسب طاقتك ونيتك الصادقة، كما قال شعيب عليه السلام.
ثانيًا. الآية تعبر عن الاعتراف بأن التوفيق في الأمور كلها لا يتحقق إلا بإرادة الله وتوفيقه، مهما بذل الإنسان من جهد. وهي دعوة للتوكل على الله والاعتماد عليه في كل شيء.
تعريف التوفيق: التوفيق هو إلهام الله للعبد فعل الخير والصواب، وتيسير الأمور بما يتوافق مع مرضاته.
كيف يتحقق التوفيق؟
١- الإيمان الصادق: توحيد الله والإخلاص له.
٢- التوكل على الله: الثقة به مع بذل الجهد.
٣- الدعاء والاستغفار: طلب التوفيق من الله باستمرار.
٤- العمل الصالح: الالتزام بالطاعات وترك المعاصي.
نتائج التوفيق:
١- نجاح في الدنيا والآخرة.
٢- شعور بالطمأنينة والرضا.
٣- البركة في العمل والرزق.
٤- قرب العبد من الله تعال ونيل فضله ورحمته.
فالتوفيق إذًا هو الإلهام والهداية من الله التي تقود الإنسان إلى اختيار الطريق الصحيح والعمل الذي يحقق له الخير في الدنيا والآخرة. التوفيق لا يعني مجرد تحقيق الأهداف، بل يشمل تحقيقها بما يرضي الله ويثمر بركة في النتائج.
والآية تدعو المؤمن إلى التوكل الصادق على الله مع السعي والاجتهاد، والتوجه بالدعاء إليه طلبًا للتوفيق والنجاح، مما يغرس في النفس الطمأنينة والرضا بأن كل أمر مقدر بحكمة الله وعدله.
أضف تعليقك...