• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الاثنين 2026-05-11

الآيات 84 - 86 سورة هود، اللقاء، (30)

تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 2
  • المشاهدات 507
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات 84 - 86 سورة هود، اللقاء، (30)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

إِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86)

شعيب -عليه السلام- يقدم نموذجاً للدعوة إلى الله تعالى - بالترغيب في الخير والنِّعم والتحذير من العذاب والنقم، مع التركيز على التوازن بين العبادة والعلاقات الاجتماعية القائمة على العدل. فقد أُرسِل شعيب عليه السلام- إلى قوم "مَدْيَنَ": اسم القبيلة أو المنطقة التي سكنها قوم شعيب، وتقع في أطراف شبه الجزيرة العربية بالقرب من منطقة الشام. وكان قومه مشركين بالله - ويُمارسون الفساد الاقتصادي من خلال الغش في المكيال والميزان، مما أدى إلى فساد اجتماعي واقتصادي شامل.

(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ): دعاهم أولاً إلى التوحيد الخالص وعبادة الله وحده، مؤكداً لهم أنه لا يوجد إله حقيقي غير الله، (وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ): "المكيال والميزان": أدوات قياس تُستخدم في البيع والشراء، والتلاعب بها يُعد غشاً وظلماً، فحذرهم من التلاعب في المعاملات التجارية، وهو شكل من أشكال الظلم الذي يؤدي إلى هدم الثقة بين الناس وإفساد المجتمع، والظلم ظلمات يوم القيامة، وقد حرمه الله تعالى - على نفسه وجعله بين الناس محرما، (إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ): يعني ما كانوا فيه من رخص الأسعار وكثرة الأرزاق. فيشير لهم شعيب إلى النِّعم التي يعيشون فيها من رزق وازدهار، وأن نعم الله - توجب شكرها بتصريفها بما يرضي الله - وليس بما يسخطه سبحانه- (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ): يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا، فيحذرهم من عذاب الله - الذي يحيط بالمذنبين من كل جهة، ويصفه بأنه "يوم محيط" للدلالة على شدته وعموميته بحيث لا مفر منه.

فالآية تمثل دعوة للإصلاح الشامل في العقيدة والسلوك الاجتماعي، حيث يجمع شعيب بين التوحيد وضرورة الالتزام بالعدل في المعاملات، وتسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين العبادة الصحيحة والإصلاح الأخلاقي والاقتصادي. فعبادة الله أساس الإصلاح؛ وهي محور كل دعوة نبوية، والحفاظ على المكيال والميزان رمز للعدل، والغش فيها فساد يهدم المجتمعات. والتمتع بالخير والرزق يتطلب الامتناع عن الظلم وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام- ينبهون أقوامهم للعواقب الوخيمة للذنوب، ويحثونهم للعودة إلى الطريق المستقيم.

(بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ): أي ما أبقاه الله - لكم من الرزق الحلال ونعمته عليكم في النفس والأهل، أو ما يتركه الله تعالى- لكم من الحلال بعد أداء الحقوق والامتناع عن الغش، هو أفضل لكم من المكاسب المحرمة. - فالقليل المبارك فيه خير من الكثير المنزوع البركة - (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ): أي مصدقين بالله تعالى - ووعده ووعيده، بمعنى أن إيمانهم هو الذي يجعلهم يقتنعون بأن ما عند الله تعالى - هو خيرٌ وأبقى لهم من الغش والظلم. (وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ): شعيب يوضح أنه ليس مسؤولاً عن إجبارهم على اتباع الحق، بل مهمته هي التبليغ والإرشاد. فالآية إذاً تدعو إلى الإيمان بالله - وبأن رزق الله تعالى - الحلال هو الخير الحقيقي، وتحذر من السعي وراء الحرام، مع التأكيد على أن دور الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام- ومن تبعهم من الدعاة والمصلحين هو دعوة الناس فقط، وأنهم لا يملكون هدايتهم، ولا يتحملون مسؤولية أعمالهم، (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).

وقفات تأمّلية:

أولاً: إذا رأيت نفسك غارقا في الخير، مع ما أنت عليه من المعاصي أو التقصير في جنب الله سبحانه - فقل لها: "يا نفس، إني أخاف عليكِ"، وإن رأيت أباك، أو أخاك، أو صديقك، أو قومك ينعمون بخير وعافية وهم مقيمون على مالا يرضي الله - فقل لهم: ما قاله شعيب لقومه: (أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ): أي عذاب يحيط بكم من كل جانب، فالخير الذي وهبنا الله إياه، سواء في النفس أو الأهل أو الأموال، أو الحياة المريحة الهنيئة، يستوجب الحمد لله - والشكر له، والشكر لا يكتمل إلا بعبادة الله وحده، فهو أساس قبول الأعمال، مع الابتعاد عن معصيته، والالتزام بما أمر به، والانتهاء عمّا نهى عنه، فنبي الله شعيب -عليه السلام- أدرك أن النعم التي كان يعيشها قومه تستوجب شكر الله، والتوقف عن معصيته، خاصة في ظلمهم الواضح بإنقاص المكيال والميزان، لذلك كان يدعوهم لعبادة الله - والعدل في معاملاتهم، محذراً إياهم من أن ما يعيشون فيه من نعيم لن تكون له أي قيمة إن استمروا في عصيانهم؛ لأن المعصية تجلب العذاب المحيط الذي لا مهرب منه، وبالفعل عندما لم يستجيبوا لداعي الله - أصابهم ذلك العذاب الشامل، فلم يجدوا منه مخرجاً.

لذا علينا أن ندرك أن النعم التي ينعم الله - بها علينا ليست مجرد وسيلة للسعادة في الدنيا، بل يجب أن تكون سبباً لسعادتنا في الآخرة، فإن استُغلت على غير طاعة الله ورسوله، فإنها تصبح مدعاة للخوف من عذاب يوم محيط، لا قدر الله. ومن أهم أسباب دوام النعم وحفظها هو شكرها، أما كفران النعم فهو من أعظم أسباب زوالها، والعياذ بالله.

ثانياً: الآية تحذر من الفساد في المكيال والميزان، سواء في الأمور المادية أو المعنوية:

فالمكيال: يشير إلى التلاعب بالكميات، مثل شراء بمكيال كبير وبيع بمكيال صغير لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

والميزان: يمتد إلى التعاملات الأخلاقية والحقوق، كأن يطلب من الآخرين ما لا يمنحهم إياه، أو يظلمهم بالاعتداء على الأنفس أو الممتلكات أو الأعرض، فهذا الظلم والإفساد يؤدي إلى حلول العذاب المحيط الذي لا مفر منه، فالعاقل عليه أن يتعامل بعدل في كلامه وأفعاله، ويمنح الناس ما يحب أن يُمنح، وألا يكون من المفسدين، فالمصائب التي تصيب الكثير من الناس إنما هي نتيجة الظلم أو الإضرار بحقوق الآخرين. نسأل الله العافية والسلامة.

ثالثاً: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ): فالقليل من الحلال المبارك خيرٌ من الكثير من الحرام الفاقد للبركة، مثل الرغوة أو الزبد الذي يختفي سريعاً، فمن يستكثر من الحرام لتوسيع ماله، أو يغفل عن الطاعة، فليتذكر أن القليل من الحلال والطاعة هو الخير الحقيقي.

فائدة:

عبارة "البقية في حياتكم" - أو كلمة نحوها - بمعنى أن الخير هو فيما أبقاه الله لكم - قد تقال في التعزية عندما يفقد الإنسان شيئا عزيزا لديه، ولعل فيها دعوة بأن يجعل الله تعالى- البركة فيما بقي لهم، لقوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) بشرط الإيمان لقوله: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فالإيمان والشكر لله تعالى - على ما أبقاه لنا من النعم هما مفتاح الخيرية والسعادة والفوز في الدنيا والآخرة.

 

أضف تعليقك...

  • 227410 زيارات اليوم

  • 87875483 إجمالي المشاهدات

  • 3186437 إجمالي الزوار