السبت 2026-04-18
الآية - 35 - من سورة هود، اللقاء، (10)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ (35)
هذه الآية جاءت في منتصف الآيات التي تحكي قصة نوح عليه السلام- مع قومه، لتؤدي دورًا مركزيًا في إبراز محور الصراع بين الحق والباطل، وتوضيح سنة الله تعالى - في دعوات الأنبياء، كما تُبرز موقف المعاندين الذين يصرون على اتهام النبي صلى الله عليه وسلم- بالافتراء، وهو مشابه تمامًا لموقف قوم نوح - الذين اتهموه بالمجادلة وكذبوا دعوته، وبذلك، تربط الآية بين رسالة النبي صلى الله عليه وسلم- ورسالة نوح عليه الصلاة والسلام - مما يعزز فكرة وحدة الرسالات، ووقوع الآية في هذا الموضع يُمثل ذروة الصراع؛ حيث يعرض قوم نوح تحديهم للحق وطلبهم العذاب استهزاءً، ما يجعلها نقطة محورية تمهد للقرار الإلهي بعذابهم، ﴿إِجْرَامِي﴾ أي ذنبي.
والآية تشير إلى أن كل فرد مسؤول عن جرمه، وهو ما يتناغم مع الرسالة العامة للقصة: نوح أدى مهمته، ولكن إصرار قومه على الكفر جعلهم يستحقون العقوبة، ووضع الآية في هذا الموضع يربط بين ماضي الأنبياء وحاضر النبي ﷺ، فيكون عبرة للمشركين وطمأنة للنبي والمؤمنين بأن المكذبين دائماً مصيرهم الهلاك، يعني أن الآية تقع في منتصف القصة لتكون محورًا يجمع بين بيان طبيعة التحدي في دعوة نوح وعاقبة قومه، مع ربط ذلك برسالة النبي محمد ﷺ والمصير المحتوم للمكذبين لدعوته.
وإليك شرحا مختصرا للآية:
الآية تأتي في سياق الرد على اتهام المشركين للنبي ﷺ بأنه اختلق القرآن، فيأمر الله سبحانه وتعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم- أن يقول لهم: إن كنتُ قد افتريت القرآن الكريم - كما تزعمون، فإن مسؤولية هذا الافتراء تقع عليّ وحدي، ولن يُحاسب عليه أحدٌ غيري، أما أنتم، فإنكم تتحملون وزر جرمكم بالكفر والتكذيب، وفي هذا بيان للتحدي وإظهار لبراءة النبي ﷺ من كذبهم وإصرارهم على الباطل، والمعنى: أن النبي ﷺ يقول لهم: إن كنت كاذبًا في ادعائي أن القرآن من عند الله، فإثمي عليّ وحدي، أما كفركم فهو ذنبكم أنتم، وهذا الرد فيه عدل وإنصاف، حيث يحصر النبي مسؤولية الافتراء المزعوم عليه فقط، مع تبرئة نفسه من كفرهم وعنادهم، ويشير إلى أن الآية تقيم الحجة عليهم، حيث يبين النبي أن الافتراء لو كان موجودًا فهو جريمة فردية لا تسوغ كفرهم أو تبرر تكذيبهم.
والخلاصة: أن الآية تبرز عدل النبي ﷺ وبراءته من تهم المشركين، وتلقي بالمسؤولية كاملة على كفرهم وعنادهم في مواجهة الحق (وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ).
وقفات تأمّلية:
الافتراء: هو الكذب المتعمد الذي لا توجد أدنى شبهة لقائله.
والإِجرام: اكتساب الجرم وهو الشيء القبيح الذي يستحق فاعله العقاب.
ويقال: أجرم فلان وجرم واجترم، بمعنى اقتراف الذنب الموجب للعقوبة، سواءً كان المقصود بقول الظالمين لرسولهم، (افْتَرَاهُ)، هو نوح عليه السلام، بما جاءهم به من البينات من ربّهم، أو كان المقصود هو القرآن الكريم، الذي أُنزل على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فالكفر ملة واحدة، والظالمون المجرمون ديدنهم واحد، في كل زمان، يعاندون ويمكرون ويكذبون، بدون وجه حق، ليدحضوا به شرع الله تعالى، وكذلك قد يعترض بعض الدعاة والمصلحين من ينسب إليهم الكذب والافتراء بغير الحق، وقد جاء في الآية الرد المفحم لمثل هؤلاء المجرمين، بقول الحق على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي)، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم سري وعلانيتي، هو الذي سوف يجازي كل نفس بما تسعى، أما أنتم وما تعملون من إجرام بحق أنفسكم وحق ربّكم، فإنني أبرأ منه إلى الله تعالى، وحسبي أنني قد بلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين.
فعندما تنصح شخصاً أو جماعة، ثم تراهم يكذبونك بغير وجه حق، فأعرض عنهم، واعلم أن الله تعالى - سوف يدافع عنك، إن كنت مخلصاً في نصيحتك، وقل: أنا بريء مما تجرمون، وذلك من باب الإنكار بالقلب وهو أضعف الايمان (وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ)، وقال عليه الصلاة والسلام: "من رأى منكرًا فلْيغيِّرهُ بيدهِ، فإن لمْ يستطعْ فبلسانِه، فإن لمْ يستطعْ فبقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمان": الحديث الشريف يبين واجب المسلم في مواجهة المنكر، وفق قدرته وإمكاناته: تغييره باليد إن استطاع، أو بالكلام والنصح، وإن عجز فبالرفض القلبي، وهو أدنى مراتب الإيمان.
أضف تعليقك...