-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
﴿جَٰدَلْتَنَا﴾ الجدال هو المخاصمة والمراجعة في الحجة ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ أي بالعذاب ﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي ۤ﴾ الآية: تقديرها: إن أراد الله أن يغويكم لن ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، ثم استأنف بقوله " هُوَ رَبُّكُمْ " - أي بداية جملة أخرى، ولا يجوز أن يكون " هُوَ رَبُّكُمْ " جواب الشرط - وفي هذه الآيات: يُظهر قوم نوح عليه الصلاة والسلام - عنادهم ويشتكون من كثرة جداله، متهمينه بالإلحاح، ويطلبون منه إنزال العذاب الذي وعدهم به، تعبيرًا عن كفرهم واستكبارهم. ويرد عليهم نوح - بأن العذاب بيد الله تعالى - وحده، ينزله إن شاء ومتى شاء، بقدره وحكمته، مؤكدًا لهم أنهم لا يستطيعون الهروب منه أو تعطيله إذا نزل بهم، مما يبرز عجز الإنسان أمام إرادة الله.
ويبين لهم بأن النصيحة لن تنفع مع من أراد الله إغواءه بسبب عناده وكفره، وأن مصير الجميع إلى الله للحساب والجزاء. والآيات تبرز أهمية الإيمان بمشيئة الله وقضائه، وتحذر من عناد الكفار واستكبارهم الذي يؤدي إلى الهلاك. كما تؤكد على ضرورة الإخلاص في الدعوة، مع التسليم بأن الهداية بيد الله وحده.
الخلاصة:-
الآيات تسلط الضوء على طبيعة الحوار بين نبي الله نوح وقومه المعاندين، موضحة مواقفهم الرافضة للحق على الرغم من وضوحه، ومؤكدة على أن الهداية والعذاب بيد الله وحده، وفق حكمته ومشيئته.
ويستخلص منها:
١- إصرار الكفار على العناد والمكابرة عند مواجهة الحجة، وطلبهم نزول العذاب دليل، يعكس قسوة قلوبهم وضلالهم، فالجهل والعناد يدفعان الإنسان لرفض الحق حتى لو ظهر جليًا أمامه.
٢- نوح يبيّن لقومه أن العذاب لا يأتي إلا بمشيئة الله، وهم عاجزون عن دفعه، مما يثبت عجز الإنسان أمام قدرة الله - ويؤكد على الإيمان بالقضاء والقدر، وأن كل أمر بيد الله - ويحض على استشعار عظمة الله وقدرته المطلقة.
٣- استحالة انتفاع المعاندين بالنصيحة، إذ لو أراد الله - إغواء القوم بسبب عنادهم وكفرهم، فلن تنفعهم النصيحة مهما كان صدقها وإخلاصها، لأن الهداية بيد الله وحده، مما يظهر أهمية الإخلاص في الدعوة مع التسليم لله في النتائج، وفيها الإشارة إلى خطورة الإصرار على الكفر، وأن الله يعاقب به بالإضلال عن الحق، وفيها كذلك التذكير بأن المرجع النهائي لله تعالى- للحساب والجزاء.
من مغازي الآيات الكريمة:
١- التعامل مع المعاندين: الدعوة تحتاج إلى صبر وإصرار، لكن مع إدراك أن البعض قد لا يستجيب بسبب قسوة قلوبهم، لذلك فعلى المسلمين أن يتحلوا بالصبر والإصرار في الدعوة إلى الإصلاح.
٢- الإخلاص في النصيحة: فالنصيحة يجب أن تُقدَّم بإخلاص، مع فهم أن نتائجها بيد الله - مما يدعو المسلمين إلى التوكل على الله - وعدم اليأس من هداية الناس.
٣- تذكير الناس بعظمة الله: التركيز على بيان عظمة الله وصفاته هو المدخل الأول لهداية القلوب، والأمة الإسلامية مطالبة بتجنب صفات المكذبين مثل الإصرار على الباطل، حتى لا يصيبها ما أصاب الأمم السابقة.
٤- التسليم لمشيئة الله: الإيمان بأن الهداية والضلال بيد الله تعالى - يخفف على الداعي الشعور بالإحباط أو الحسرة، كما يحث المسلمين على العمل للآخرة والإخلاص في الطاعة.
الخلاصة: الآيات تدعو إلى الصبر في الدعوة، والتسليم لمشيئة الله، مع إدراك أن الضلالة والهداية والعقاب والثواب إنما هو بيده وحده، وتذكّر المؤمنين أن النهاية المرجوة هي عند الرجوع إلى الله تبارك وتعالى - يوم يعرضون على ربّهم- للحساب والجزاء "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ".
أضف تعليقك...