• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الثلاثاء 2025-12-02

الآيات (08-09) سورة النحل، اللقاء (06)

تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 481
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات (08-09) سورة النحل، اللقاء (06)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}.

هاتان الآيتان تفتحان باب التفكر في نعم الله جلّ وعلا وأهمية الشكر عليها، والتأمل في عظمة خلق الله وقدرته على إبداع ما لا يمكن للعقل البشري أن يتخيله في وقت ما وزمن معين. ثم بعد ذلك يُخلق من العدم في أزمنة لاحقة، كما تُذكران بحرية الإرادة وأهمية اتباع الهداية الإلهية للوصول إلى الطريق المستقيم. وتتناولان جوانب متعددة من النعم الإلهية والهداية الربانية. وتتحدثان عن بعض نعم الله تعالى على الإنسان من خلال خلق الخيول والبغال والحمير، وغيرها من المخلوقات وخاصة المتعلق منها بالركوب والتنقل عليها مما ينعم الله تعالى به على أهل كل زمان مالم يكن معروفًا أو محتاجًا إليه في الأزمنة التي قبلها، وما تقدمه تلك المخلوقات السابقة واللاحقة من فوائد متعددة لتسهيل حركة الناس وتيسير مصالحهم.

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ}، فالخيل والبغال والحمير كانت وسائل رئيسية للتنقل في العصور القديمة، وقد أشار إليها القرآن كنعمة من نعم الله على البشر. {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}، "الزينة" كل ما يُستخدم للتجميل والتحسين ويضفي جمالًا ويُبرز المحاسن، أو يُحسِّن من مظهر الشيء أو الشخص ويجعله أكثر جاذبية وجمالًا. والآية هنا تشير إلى البعد الجمالي لهذه الحيوانات وهذه المخلوقات من المركبات، وأن الله تعالى لم يخلقها فقط للنفع، بل لتكون أيضًا مصدرًا للجمال والزينة في حياة الإنسان [وقد استدل البعض بالآية على تخصيص الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة فقط، وعدم جواز أكلها، وقالوا: لأنه لم يذكر الأكل منها، وذكر الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها. وأجاب البعض عن ذلك بـ " أن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتهما مقصورة على ذلك، واستدلوا بجواز أكل لحم الخيل، لحديث: (نَهى النبيُّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ خَيْبَرَ عن لُحُومِ الحُمُرِ، ورَخَّصَ في لُحُومِ الخَيْلِ)، وحديث: (نَحَرْنا على عَهْدِ النبيِّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَرَسًا فأكَلْناهُوللعلماء اجتهاداتهم في تفصيل تلك الأحكام لمن أراد ذلك]، كما خلق سبحانه المركبات الحديثة من الطائرات والقطارات والسيارات فأصبحت وسائل رئيسية للتنقل في العصور الحديثة، وكذلك الابتكارات التكنولوجية التي لم تكن في الحسبان آنذاك. وهذا يدل على أن علم الله شامل ومطلق، وأنه يخلق ما يعجز العقل البشري عن تصوره في وقت معين، ولكن الله عالم به منذ الأزل. {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، وسوف يخلق بقدرته وحكمته وإبداعه في خلقه، في الأزمنة المستقبلية وسائل رئيسية أخرى لا نعلمها نحن في هذا الزمان.

{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِوالقَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، وقَعَ هُنا وصْفًا لِلسَّبِيلِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: طَرِيقٌ قاصِدٌ، أيْ مُسْتَقِيمٌ. والسَّبِيلُ: مَجازٌ لِما يَأْتِيهِ النّاسُ مِنَ الأعْمالِ مِن حَيْثُ هي مُوَصِّلَةٌ إلى دارِ الثَّوابِ أوْ دارِ العِقابِ، وهذه الجملة تشير إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي إلى الطريق المستقيم، ويقصد به الطريق الصحيح الذي ينبغي على الإنسان أن يسلكه في حياته ليصل إلى رضوان الله والجنة. فلَمّا ذُكِرَتْ نِعْمَةُ تَيْسِيرِ السَّبِيلِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقاصِدِ الجسمية، ارْتَقى إلى التَّذْكِيرِ بِسَبِيلِ الوُصُولِ إلى المَقاصِدِ الرّوْحانِيَّةِ، فقارنت الآية بين الامتنان والتذكير بنعمة تيسير السفر بواسطة وسائل النقل بالدواب مثل الخيول، والبغال، والحمير، ومما يخلق الله مما لا تعلمون التي سخرها للإنسان، وبين الطريق الذي يؤدي إلى "المقاصد الروحانية" وهو الهداية إلى الله. لِأنَّ سَبِيلَ الهُدى تَحْصُلُ بِهِ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، فَكانَ تَعَهُّدُ اللَّهِ بِهَذِهِ السَّبِيلِ نِعْمَةً أعْظَمَ مِن تَيْسِيرِ المَسالِكِ الجسمانية، والمقصد: هو الربط بين نعمتي الهداية في تيسير السفر وبين الهداية الروحية، مشيرة إلى أن الهداية الروحية التي تحقق السعادة الأبدية، إنما تتحقق من خلال إمعان العقل، وإرسال الرسل، واتباع آيات الله تعالى، وهي أعظم وأسمى من تيسير الطرق الدنيوية، لأنها تقود الإنسان إلى سعادته الأبدية وتنقذه من الضلال. {وَمِنْهَا جَائِرٌ}: وجائِرٌ وصْفٌ لِـ "السَّبِيلِ" والجائِرُ: هو الخارج عن الصواب، الحائِدُ عَنْ الِاسْتِقامَةِ، وكُنِّيَ بِهِ عَنْ الطريق غير الموصل إلى المَقْصُودِ، أيْ إلى الخَيْرِ، وهو المُفْضِي إلى ضُرٍّ، فَهو جائِرٌ بِسالِكِهِ، ووَصْفُهُ بِالجائِرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ولَمْ يُضَفِ السَّبِيلُ الجائِرُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ سَبِيلَ الضَّلالِ اخْتَرَعَها أهْلُ الضَّلالَةِ اخْتِراعًا لا يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَهى اللَّهُ النّاسَ عَنْ سُلُوكِها. لكن من الناس، كما من الدواب، من يحيد عن الطريق المستقيم، ويسلك طرقًا أخرى، لكنها طرق ضالة ومنحرفة عن الصراط المستقيم. فالله عز وجل قد أظهر للناس طريق الخير والشر، وترك لهم حرية الاختيار. {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}: اختتمت الآية بالتأكيد على أن الهداية بيد الله، وأنه لو شاء لَهَدى جميع البشر إلى الإيمان والطريق المستقيم، لكنه شاء أن يكون للبشر حرية الإرادة والاختيار، فضلًا عن العقل الذي أنعم الله به على بني آدم عليه الصلاة والسلام مما جعلهم مؤهلين لحمل الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال.

والمغزى من الآيتين: هو تذكير الناس بنعم الله التي سخّرها لهم، وبأهمية الشكر على هذه النعم. كما يُظهر النص أهمية الهداية الإلهية، وأن الطريق المستقيم هو الطريق الذي يدل الله تعالى عليه، بينما الطرق الأخرى هي منحرفة. وفي نفس الوقت، يؤكد النص على حرية الإنسان في اختيار طريقه، ولكن هذه الحرية مقرونة بمسؤولية عظيمة.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

أضف تعليقك...

  • 14808 زيارات اليوم

  • 56922142 إجمالي المشاهدات

  • 3075982 إجمالي الزوار