الأحد 2025-11-16
الآيات 78 - 80 سورة الإسراء ، اللقاء,(18)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي!
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرءَانَ ٱلفَجۡرِۖ إِنَّ قُرءَانَ ٱلفَجرِ كَانَ مَشهُودا (78) وَمِنَ ٱلَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نَافِلَة لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحمُودا (79) وَقُل رَّبِّ أَدخِلني مُدخَلَ صِدقٖ وَأَخرِجنِي مُخرَجَ صِدق وَٱجعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلطَٰنا نَّصِيرا (80)
ربّ العزة والجلال - لا يأمرنا بأمر ولا يرشدنا إلا لما فيه الخير والفلاح لنا في الدنيا والآخرة، لذلك علينا أن نهتم أشد الاهتمام ونحرص كل الحرص على اتباع آياته والتزام أمره، وفي هذه الآيات الكريمة يأمرنا سبحانه - بأربعة أمور، أولاً. قوله تعالى: (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمسِ إِلَى غَسَقِ ٱلّيلِ )، هذه الآية إشارة إلى الصلوات المفروضة فدلوك الشمس زوالها، وفيه الإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته وذلك إشارة إلى المغرب والعشاء، ثانياً. قوله : (وَقُرءَانَ ٱلفَجرِ)، وقرآن الفجر يعني صلاة الفجر ، وإنما عبر عنها بقرآن الفجر، نظراً لأهميتها الكبيرة وما تحمله من بركة وفضل، ولأن القرآن فيها أكثر من غيرها، حيث إنها تُصلى بسورتين طويلتين، فقد كان النبي محمد ﷺ يطيل القراءة في صلاة الفجر ويقرأ من السور الطوال، وهذا من سنته. لكن ذلك ليس فرضًا؛ فيجوز للمصلِّي أن يقرأ ما تيسر من القرآن، سواء كانت السور قصيرة أو طويلة. ﴿إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ أي تشهده ملائكة الليل والنهار، إذ هو وقت صعود ملائكة الليل ونزول ملائكة النهار، حيث تتواجد مجتمعة خلال هذا الوقت، ويشتركان في كتابة الأعمال وشهادتها، ثالثاً. قوله تعالى: (وَمِنَ ٱلَّيلِ فَتَهَجَّد بِه نَافِلَة لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاما مَّحۡمُودا)، لما أمر سبحانه - بالفرائض أتبعها بالنوافل - ومن للتبعيض، والضمير في به يعود للقرآن، أي بالقرآن، وصلاة الليل عظيمة النفع، عالية القدر، وهي نافلة، أي عبادة إضافية وليست فرضًا. وهذه العبادة لها مكانة عظيمة في التقرب إلى الله تعالى - والتهجد : يعني السهر في عبادة الله وطاعته، أي ترك الهجود ومعنى الهجود: النوم. ومقامات الله تعالى - في الدنيا والآخرة، ودرجاته العليا، عديدة وعظيمة لا يعلمها إلا هو سبحانه - (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، وكلمة عسى : في كلام العرب تفيد التوقع ، أما في كلام الله - تعالى - فتفيد الوجوب والقطع. وأفضل وأجلّ وأعظم تلك المقامات، هو المقام المحمود : وهو المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة التي سيبلغها النبي محمد ﷺ يوم القيامة، والتي خصّه الله بها. ويُفسر هذا المقام غالباً بالشفاعة العظمى للناس في يوم الحساب، حيث يشفع لأمته وللبشرية جمعاء ليبدأ الحساب، وليريح الناس من الكرب الشديد، فى ذلك الموقف، فيحمده فيه الخلائق كلهم. وهذا المقام هو أعلى درجة في الجنة ولا ينالها إلا النبي محمد ﷺ. رابعاً. دعاء يدعو به المسلم عند قيامه بأي أمرٍ عظيم، (وَقُل رَّبِّ أَدخِلنِي مُدخَلَ صِدق وَأَخرِجنِي مُخرَجَ صِدق )، أي يطلب من الله تعالى - أن يُدخله في الأمور كلها مدخل صدق، ويُخرجه منها مخرج صدق، بحسن النية والنجاح والتوفيق. وتشمل كذلك المكان والزمان، والمعنى : طلب الدخول في الأمور الموفقة، بسهولة وإتقان، والخروج من الأمور الصعبة أو الخطيرة بسلامة وأمان. (وَٱجعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلطَٰنا نَّصِيرا)، ويطلب كذلك من الله تعالى - أن يمنحه قوة وسلطانًا ينتصر به في مواجهة أعدائه، ويعينه في تنفيذ مهامه. والسلطان هنا يشمل القوة الظاهرة، مثل السلطة أو الحكم، والقوة الباطنة، مثل الحجج والأدلة القوية والبراهين.
ومغزى الآيات ؛ التركيز على أهمية الصلاة والتهجد كوسيلة للتقرب إلى الله سبحانه - واكتساب رضوانه. كما تؤكد على ضرورة الاستعانة بالله تعالى - في كل أمر، والسعي إلى الدخول والخروج من الأمور بنية صادقة، وطلب العون من الله عز وجل - في مواجهة التحديات. والمقام المحمود يشير إلى مكانة عظيمة يمنحها الله سبحانه - لمن يصبر ويجتهد في طاعته، وهذا ينطبق بشكل خاص على النبي محمد صلى الله عليه وسلم - كقدوة لأمته، وفيها الحث والتحميس للمسلمين على الاقتداء بنبيهم، لينالوا الدرجات العليا في الدنيا والآخرة، (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) .
أضف تعليقك...