السبت 2025-11-15
الآيات 73 - 77 سورة الإسراء، اللقاء، (17)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)
(وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، هذه الآية تشير إلى محاولة الكفار والمشركين إغواء النبي صلى الله عليه وسلم عن الطريق الذي أوحاه الله إليه. ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الافتراء هنا يراد به المخالفة لما أوحي إليه من القرآن وغيره، كانوا يسعون جاهدين لفتنته وإغرائه لكي يترك شيئًا مما أُنزل إليه أو أن يغيره، وهذا يشير إلى رغبتهم في أن يبتعد النبي عن بعض أوامر الله ليوافق هواهم. ولو وافقهم النبي في ذلك، لكانوا أظهروا له محبتهم ورضاهم عنه. ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ما أرادوا منك لاتخذوك صديقًا مقربًا جدًا، وحبيبًا مخلصًا، وهذه دلالة على أن عداوتهم للنبي والمؤمنين ماهي إلا بسبب الآيات والأحكام والشرائع الدينية التي لا توافق شهواتهم وغواياتهم ونزواتهم.
﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ لولا تدل على امتناع شيء لوجود غيره، فدلت هنا على امتناع مقاربة النبي ﷺ الركون إليهم، بسبب تثبيت الله تعالى - وعصمته له، وقوله: (كِدتَّ)، تقتضي نفي الركون، لأن معنى كاد فلان يفعل كذا أي: أنه لم يفعله فانتفى الركون إليهم، فليس في ذلك نقص من جانب النبي ﷺ، لأن الطبيعة البشرية قد تجعل الإنسان يفكر في التنازل أو التخفيف من حدة الصراع، ولكن الله - بحكمته وقوته ثبت النبي على الحق ومنعه من الانزلاق نحو ذلك.
(إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ)، المراد به العقوبة الشديدة، (ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ)، كلمة "ضِعْفَ" تعني هنا مضاعفة العقوبة، أي لو أنك استجبت لهم لكان الله قد عاقبك بعذاب مضاعف في الدنيا والآخرة، (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)، وما كان هناك أحد ليعينك أو ينصرك من عقاب الله. وفي هذا دلالة واضحة على أن الله تعالى - قد حفظ لنا ديننا الذي ارتضاه لنا، وحفظ لنا كتابه وآياته، وسنة نبيه، كما أن فيه الوعيد الشديد لمن يتخلى عن شيء وإن كان قليلا في أمر من أمور الدين والشريعة مجاملة أو مهادنة للكافرين، لذا فعليك أيها المسلم حفظ - الله - لكي يحفظك، فإذا حضرت الصلاة فأقمها، وإذا وجبت الزكاة فأدّها، ولا تشهد الزور، وإذا مررت باللغو فمر مرور الكرام، واتق الله - أينما كنت، واحرص على أداء الواجبات وترك المنهيات، واذكر الله - في كل أحوالك، ولو كره الكافرون، ولا تأخذك في الله - لومة لائم، وانصر الله - ينصرك.
(وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا)، تُشير هذه الآية إلى محاولات المشركين المتكررة لإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، بل ومحاولة استفزازه حتى يتركها بنفسه، لكن الله يبين هنا أن خروج النبي من مكة سيعقبه عقاب سريع لهم، بحيث لا يلبثون بعدها إلا قليلاً، فلما خرج النبي ﷺ مهاجراً من مكة إلى المدينة بسبب الإيذاء من المشركين له ولأصحابه، لم يبقوا بعد ذلك إلا قليلاً.
(سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا)، وهذا يشير إلى السنة الإلهية التي تتبع إخراج المؤمنين من ديارهم، حيث يُمهل الله الكفار فترة قصيرة ثم ينزل بهم عقابه، وأن ما جرى للنبي وأصحابه من إخراجهم من ديارهم شأنه شأن ما حدث مع جميع الرسل السابقين واتباعهم، وقد انتصر الله تعالى - لهم من عدوهم، وهذه السنة الإلهية لا تتغير ولا تتحول، فليطمئن المؤمنون الذين يخرجهم الكافرون من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربّنا الله - أي يعبدونه حق عبادته، بأن الله تعالى - سوف ينتصر لهم من عدوهم، وسوف يبدل خوفهم أمناً، وسوف يثيبهم بما صبروا جنةً وحريرا، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).
مغزى الآيات: بيان حفظ الله - وحمايته - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم - ولمن اتبعه من المؤمنين، وتثبيتهم وعصمتهم ونصرتهم، كما تؤكد الآيات على أن التمسك بالوحي وعدم الميل إلى أهواء الناس هو واجب أساسي للنبي ولكل المؤمنين، وأن أي تنازل عن هذا المبدأ يؤدي إلى عواقب وخيمة.
كما تؤكد أيضًا الثبات الذي ينبغي أن يتحلى به المؤمنون أمام الضغوط والتهديدات، وتظهر عدالة الله تعالى - وسننه التي لا تتغير مع مرور الزمن. الله - يحفظ دينه وينصر رسله - والذين آمنوا معهم، ويثبّتهم على الحق، ويعاقب أعداءهم إذا ما حاولوا الإضرار بهم أو إخراجهم من ديارهم، إذا ما تمسكوا بدينهم، والتزموا شرع ربّهم، قال عليه الصلاة والسلام: "كان الرجلُ قبلَكم يؤْخَذُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيه، فيُجاءُ بالمنشارِ فيوضَعُ على رأسِهِ، فيُشَقُّ باثنتينِ، ما يصُدُّهُ ذلِكَ عن دينِهِ، ويُمَشَّطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ منْ عَظْمٍ أو عصَبٍ، ما يصُدُّه ذلكَ عن دينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكِبُ مِنْ صنعاءَ إلى حضرَموتَ، لا يخافُ إلّا اللهَ، والذئبَ على غنَمِهِ، ولكنَّكم تستعجِلونَ".
أضف تعليقك...