-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72)
هاتان الآيتان فيهما انتقال من غرض التهديد بعاجل العذاب في الدنيا الذي ورد في الآيات السابقة، إلى ذكر حال الناس في الآخرة تبشيراً وإنذاراً، ومن ذكر التفضيل بين الناس وبين الأنبياء، إلى ذكر اليوم الذي تظهر فيه فوائد ذلك التفضيل، (ۡيَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، اليوم الذي سيُدعى فيه كل أناس مع قائدهم أو إمامهم الذي اتبعوه في الدنيا.
وكلمة " بِإِمَامِهِمْ " في الآية تعني القائد أو الدليل الذي كان يتبعونه في الدنيا ،هناك تفسيرات متعددة لمعنى " إِمَامِهِمْ " في هذا السياق: أولاً. الكتب السماوية: يحتمل المقصود بـ" بِإِمَامِهِمْ " الكتاب الذي كانوا يتبعونه في حياتهم الدنيا، مثل التوراة لليهود، والإنجيل للنصارى، والقرآن للمسلمين.
في هذا التفسير، يدعى كل أناس مع الكتاب الذي كانوا ملزمين باتباعه. ثانياً. القادة والزعماء: يحتمل أن يكون "إِمَامِهِمْ" إشارة إلى الزعماء أو القادة الذين كانوا يتبعونهم في الدنيا، سواء كانوا قادة صالحين أو طالحين ، فكل مجموعة من الناس تُدعى يوم القيامة مع قائدها الذي كانت تتبعه، ويحاسبون بناءً على هذا الاتباع ، ثالثاً. الأعمال: يحتمل كذلك أن "إِمَامِهِمْ" يشير إلى أعمالهم التي كانوا يقومون بها، حيث تُعرض هذه الأعمال يوم القيامة ويُحاسبون بناءً عليها ،وفي جميع الاحتمالات فإن الآية تدل على أنه في يوم القيامة سيُدعى الناس للحساب وفق ما كانوا يتبعونه أو يؤمنون به في الدنيا، وسيحاسبون على ذلك.
(فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)، وهم المؤمنون الذين كانوا يعملون الصالحات، سيكونون في راحة وفرح لأنهم سينجون من الحساب الشديد،(فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ)، سيقرأون كتابهم بشغف واطمئنان لأنهم لن يُظلموا حتى بأصغر الأعمال، التي عبر عنها الله تعالى - بكلمة "فَتِيلًا"، وهو الخيط الرفيع الذي يوجد في شق النواة، كناية عن الدقة في الحساب وعدم الظلم حتى بأقل الأشياء.
(وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، أي حيران يائس من الخير، وإنما جعل الأعمى في الآخرة أضل سبيلاً، لأنه حينئذ لا ينفعه الاهتداء، وهذه الآية تتحدث عن حالة الشخص الذي كان في الدنيا "أعمى"، وليس المقصود بالعمى هنا العمى الحسي، بل العمى المعنوي والروحي؛ أي عمى القلوب ، فمن كان أعمى عن الحق في الدنيا، ولم يهتدِ إلى صراط الله المستقيم، فسيكون في الآخرة أعمى أيضًا، وسيضل الطريق إلى النجاة والسعادة الأبدية. والمقصود هنا أن من كان ضالاً في الدنيا ولم يتبع هدى الله تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه سيواجه نتيجة أسوأ في الآخرة، حيث يكون أكثر بعدًا عن الحق والرحمة الإلهية، وسوف يغرق في متاهات العذاب والضياع الأبدي.
والمغزى من الآيتين : هو التأكيد على أهمية اتباع الحق والهدى في الدنيا، لأنه هو ما يحدد مصير الإنسان في الآخرة، وفي الآية الأولى إشارة إلى أن العدل الإلهي مطلق، وأن المؤمنين الذين يتبعون الحق سيكافؤون ويُنصفون يوم القيامة، أما الآية الثانية، ففيها تحذير شديد من الضلال في الدنيا، حيث إن من لا يبصر الحق في الدنيا ولا يهتدي إليه، سيواجه العمى الروحي في الآخرة، مما يقوده إلى الضلال المحتوم والعذاب الأليم.
والآيتان معًا تشددان على مسؤولية الإنسان تجاه اختياراته في الدنيا وتوجهاته الروحية والعقائدية، وتبيّن العواقب المترتبة على تلك الاختيارات في الحياة الآخرة. نسأل الله تعالى - العفو والعافية والسلامة في ديننا ودنيانا وآخرتنا.
أضف تعليقك...