• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأربعاء 2025-11-12

الآيات (61-65) سورة الإسراء، اللقاء (14)

تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 62
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات (61-65) سورة الإسراء، اللقاء (14)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا}.

هذه الآيات: تتناول قصة أمر الله للملائكة بالسجود لآدم ورفض إبليس لهذا الأمر، وما تبع ذلك من فسق وكيدٍ من إبليس للبشرية.

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}، أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام -سجود تكريم وليس سجود عبادة- تكريمًا له واعترافًا بمكانته، فسجدوا جميعًا إلا إبليس الذي امتنع عن السجود. وكان رفض إبليس نتيجة لتعاليه وغروره، إذ اعتبر نفسه أفضل من آدم لأنه خلق من نار بينما آدم خلق من طين -كما ورد في آيات أخرى- منعه الاستكبار والعجب بنفسه وقاده إلى معصية الله عز وجل كما حرمه من الاستغفار، والأسوأ من ذلك أنه أصر على المعصية التي أعمت قلبه فجعلته يطلب طلبًا قبيحًا، ويسلك سلوكًا مشينًا، {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا}، "أرأيتك" للخطاب، وتعني "أخبرني" أو "أرأيت" وتُستخدم للاستفهام الاستنكاري والتعجب، {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} معناه لأستولين عليهم ولأقودنهم وهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشدّ على حنكها بحبل فتنقاد، وبهذا تعهد بأن يغوي ذرية آدم ويضلهم، مستثنيًا منهم "إلا قليلًا" وهم المؤمنون المخلصون الذين لن يقدر على إغوائهم. وهذا التحدي يعكس حقد إبليس ورغبته في الانتقام من البشر بسبب الحسد والكبر والحقد والكراهية، وهي صفات سيئة تردي صاحبها في المهالك، ومن لم يتنزه منها كان لخطوات الشيطان سالكًا وعن الرحمن مفارقًا، وقوله : {قَالَ اذْهَبْ} وما بعده من الأوامر: صيغة أمر على وجه التهديد، وليس المراد به الذهاب الذي هو ضدّ المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته، خذلانًا له وتخلية، ويحتمل أن يكون معناه للطرد والإبعاد، فأذن الله تعالى له بمحاولته لإغواء البشر، ليعلم الله الذين صدقوا من عباده، ويعلم الكاذبين، ويعلم من يخافه بالغيب، وعلم الله أزلي ومطلق، أي أن الله يعلم كل شيء مسبقًا، بما في ذلك من يصدق ومن لا يصدق. لكن "ليعلم الله" يعني "ليظهر علم الله في الواقع، أو ليظهر للناس من هم الصادقون حقًا" بمعنى آخر، هذا العلم ليس لاكتساب معرفة جديدة عند الله، بل لتجلية وإظهار الحقائق في الدنيا من خلال اختبارات الحياة، حتى يكون هناك دليل واضح على صدق إيمان المؤمنين أمام أنفسهم وأمام الناس، {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا}، يحذر سبحانه عباده، بأن كل من يتبعه منهم فسيكون مصيره في جهنم، {جَزَاءً مَّوْفُورًاأي سيكون وافرًا ومستحقًا بالكامل. وهنا يبرز مفهوم الاختبار الإلهي للبشر، حيث يترك الله تعالى لهم حرية الاختيار بين اتباع الحق أو الباطل، مع تحمل عاقبة اختيارهم.

{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}، الله تعالى أجاب طلب إبليس، وأذن له امتحان صدق إيمان بني آدم، كما يبيّن سبحانه لعباده الوسائل التي أذن لإبليس أن يستخدمها ليستفز من استطاع منهم لإغوائهم، وهي: ١- "بصوتك": إذ إن الصوت المقصود هو كل وسيلة يستخدمها الشيطان لإغراء الإنسان بالابتعاد عن طاعة الله والوقوع في المعاصي، ومنها أنه يستفز الناس بالنداء لهم نحو الأعمال الشريرة والابتعاد عن طريق الحق، ويوسوس للناس بأفكار سيئة، ويزين لهم المعاصي، سواء كان ذلك من خلال كلمات مؤثرة، أو إغراءات مادية أو معنوية.

٢- "وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم": أي "هوّل عليهم" بمعنى: جعل الأمر يبدو أكثر رعبًا أو تخويفًا مما هو عليه في الواقع، وهو من الجلبة وهي الصياح، "بخيلك ورجلك": الخيل هنا يراد بها الفرسان الراكبون على خيل، والرجل: جمع راجل وهو الذي يمشي على رجليه، وهو مجاز واستعارة بمعنى: افعل جهدك، بحشد قوى شياطين الجن والإنس، في إغواء البشر، كمن يشن حربًا عليهم. فالشيطان يستخدم كل الوسائل المتاحة له، من مكر وحيل وأتباع، لإضلال الناس بكل السبل الممكنة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. "بخيلك": يشير إلى استخدام إبليس لأتباعه الذين يتحركون بسرعة وينتشرون على نطاق واسع لإغواء البشر، مثل الفرسان الذين يقاتلون على الخيول، حيث إن الخيل رمز للقوة والسرعة في الهجوم. "ورجلك": يشير إلى الأتباع الذين يتحركون سيرًا على الأقدام، وهو رمز للذين يتسللون بين الناس ويؤثرون عليهم ببطء ولكن بشكل مستمر. والمغزى: أن الآية تجسد صورة مجازية لإبليس وهو يشن حربًا شاملة ضد البشرية، مستخدمًا صوته، وكل الوسائل الممكنة سواء كانت سريعة وقوية مثل الخيل، أو بطيئة ومستدامة مثل المشاة، لإغواء الناس وإبعادهم عن طريق الحق.

٣- "وشاركهم في الأموال والأولاد": مشاركته في الأموال بكسبها من الربا، وإنفاقها في المعاصي وغير ذلك، ومشاركته في الأولاد هي بالاستيلاد بالزنا، أو تسميتهم أسماء شركية وبدعية لا تليق وشبه ذلك، يعني أن إبليس سيحاول إفساد تصرفات البشر في أموالهم وأولادهم، وتوجيههم لاكتساب المال بالحرام وتربية أبنائهم بعيدًا عن الإيمان، "وعدهم": أي ومَنّهم بأماني كاذبة، فالشيطان يعدهم بالمتعة واللذة ولكنه في الواقع يقودهم إلى الهلاك. {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}، كل وعود الشيطان للبشر هي وعود كاذبة ومضللة. الشيطان يوعد الناس باللذات الزائلة والمنافع المحرمة، ويزين لهم المعاصي على أنها تحقق لهم السعادة والنجاح. لكنه في الحقيقة يخدعهم، لأن هذه الوعود في النهاية لا تحقق لهم سوى الضرر والهلاك. الشيطان يعد الناس بأمور تجعلهم يبتعدون عن طاعة الله، ويغرقهم في الغرور، مما يؤدي بهم إلى الخسارة في الدنيا والآخرة. الشيطان لا يملك القدرة على الوفاء بوعوده، فهو يخدع الناس بأوهام لا تتحقق. والمغزى من هذه الآية: هو تحذير الناس من الانخداع بوعود الشيطان، وألا يغتروا بما يزينه لهم من باطل، لأن النتيجة ستكون الندم والهلاك.

{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}، أي أن الشيطان لا يمكنه أن يغوي من استمسكوا بإيمانهم وطلبوا حماية الله تعالى، الذين يتوكلون عليه، لأن الله يكفيهم ويحفظهم من كيد الشيطان. ولن يجعل له عليهم سلطان، بدليل قوله بعد ذلك: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا}، يعني أن الله سبحانه وتعالى هو الوكيل الكافي، والمعتمد الوافي، الذي يدبر الأمور ويحمي عباده ويكفل لهم كل ما يحتاجون إليه. هذه الآية تأتي لتُطمْئن المؤمنين بأن الله يكفل لهم كل ما يهمهم من أمر الدنيا والآخرة، وأنهم ليسوا بحاجة إلى اللجوء إلى غيره. وشبيه ذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.

والمغزى العام من الآيات: هو أن إبليس رفض السجود لآدم نتيجة لاستكباره وغروره، وهذه الصفات قادته إلى الطرد من رحمة الله. والآيات كذلك تذكرنا بضرورة التواضع والخضوع لأمر الله. وأن البشر يُختبرون في هذه الحياة بين اتباع طريق الحق أو الانجراف وراء إغواءات الشيطان. والله تعالى منح البشر العقل والقدرة على التمييز بين الخير والشر، وأرسل لهم الرسل لهدايتهم، ولكن ترك لهم حرية الاختيار. وأن إبليس يستخدم وسائل عديدة لإغواء البشر، من بينها الوعود الباطلة والخيالات التي لا تحقق سوى الضلال. والمسلمون مطالبون بالحذر من هذه الوساوس والتمسك بالحق. وأنه رغم كيد الشيطان، فإنه ضعيف، لأن من يتوكل على الله ويستمسك بدينه، فلن يكون للشيطان عليه سلطان، مما يعزز الثقة في رحمة الله عز وجل وحمايته ورعايته لعباده المؤمنين.

أضف تعليقك...

  • 56088 زيارات اليوم

  • 54167625 إجمالي المشاهدات

  • 3058524 إجمالي الزوار